أكثر مما تظن

بقلم / دارين محمد الدويري  

هل توقفت يومًا لتتأمل في نفسك؟

ذلك الإنسان الذي كرّمه الله، ومنحه عقلًا يفكر، وقلبًا يشعر، وقدرةً على التعلم والاختيار والعمل والإبداع.

قال الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

تكريمٌ من الله لا يرتبط بمنصب، ولا بشهادة، ولا بما يراه الناس فينا من إنجازات.

ثم انظر حولك…

هذه الأرض التي نعيش عليها، وما فيها من ماءٍ وطعامٍ ونباتٍ وحيوان، وما في السماء والأرض من نعمٍ لا نستطيع حصرها.

قال سبحانه:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾

كل هذا التسخير يجعلنا نتوقف قليلًا لنسأل:

ما الذي أراده الله منا ونحن نعيش وسط كل هذه النعم؟

لم نُخلق لنستهلك ما حولنا فحسب، وإنما لنعبد الله، ونسعى في الأرض، ونتعلم، ونعمل، ونعمرها بما نستطيع، وننفع من حولنا.

ولهذا كان العلم في ديننا طريقًا عظيمًا من طرق الخير، فقال النبي ﷺ:

«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة».

فالعلم ليس ترفًا، والعمل ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، والنفع ليس أمرًا زائدًا عن حياتنا؛ بل يمكن أن يكون كل ذلك طريقًا نتقرب به إلى الله حين تصح النية ويحسن العمل.

ولعل الإنسان لا يعرف دائمًا مقدار ما أودع الله فيه.

قد يعيش سنوات وهو يظن أن قدراته محدودة، وأن ما يستطيع فعله عادي، بينما في داخله فكرة لم يمنحها فرصة، وموهبة لم يكتشفها، وقدرة على التعلم لم يختبرها، وطاقة كان يمكن أن يصنع بها شيئًا جميلًا.

وحين ننظر إلى تاريخ أمتنا، نجد علماء مسلمين جمعوا بين أكثر من علم ومجال، فبرعوا في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة وغيرها، وتركوا آثارًا تجاوزت زمانهم.

فربما يكون أجمل ما تستطيع فعله هو أن تُحسن ما بين يديك.

وتقدم أفضل ما تستطيع في المكان الذي وضعك الله فيه.

فالإتقان قيمة، والإحسان عبادة، والعمل الذي تؤديه بنية صالحة يمكن أن يتحول من أمرٍ معتاد إلى عملٍ تؤجر عليه.

ليس مطلوبًا أن تكون مختلفًا عن الجميع، ولا أن تمتلك موهبة خارقة.

يكفي أن تعرف ما تستطيع، وأن تنميه، وأن تؤديه بإحسان.

فقد تكون رسالتك في علم تتعلمه، أو عمل تتقنه، أو إنسان تنفعه، أو أسرة ترعاها، أو كلمة طيبة تقولها في وقت يحتاجها أحدهم.

وربما كان الشيء الذي تراه صغيرًا في حياتك كبيرًا عند الله، لأنك أحسنت فيه وأخلصت.

ولهذا فإن اكتشاف الإنسان لقدراته ليس غايته إعجاب الناس أو إثبات ذاته، بل أن يعرف ما وهبه الله، ويحسن استثماره فيما ينفع؛ شكرًا لهذه النعمة، وسعيًا إلى الإحسان وصناعة الأثر.

فإذا وهبك الله علمًا، فتعلمه وانفع به.

وإذا وهبك قدرة، فنمِّها.

وإذا وهبك موهبة، فلا تدفنها.

وإذا وضع بين يديك عملًا، فأحسنه.

وفي النهاية سيأتي اليوم الذي تُسأل فيه عن العمر الذي مُنح لك، والشباب الذي عشته، والعلم الذي تعلمته، وما عملت به.

قال رسول الله ﷺ:

«لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم».

عندها نفهم أن ما نملكه ليس مجرد أشياء نعيش بها، بل نعمٌ ومسؤوليات.

العمر أمانة، والعلم أمانة ، وكل ما أودعه الله فينا يستحق أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا به؟

فلا تقلل من نفسك، ولا تنتظر أن تكون خارقًا حتى تبدأ.

قد يكون في داخلك شيء جميل لم تمنحه الفرصة بعد.

اكتشفه، تعلم، أتقن، انفع، واترك أثرًا.

فأنت لم تأتِ إلى هذه الأرض عبثًا، ولم تُمنح كل هذه النعم بلا غاية.

لقد كرّمك الله، وسخّر لك، ووهبك من النعم والقدرات ما تستطيع أن تصنع به خيرًا.

فماذا ستفعل بكل ما أُعطيت؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى