ماذا يحتاج الإنسان بعد الصدمة؟

قد ينجو الإنسان من الأزمة، ثم يكتشف أن النجاة لا تعني انتهاء أثرها. يعود كل شيء من حوله إلى مساره، بينما يبقى هو أمام خوف لا يعرف كيف يفسّره، أو تفاصيل تعيده إلى ما حدث كلما حاول المضيّ. من هنا نشأ السؤال الذي رافقني أثناء إعداد رسالتي في الإرشاد النفسي: ماذا يحتاج الإنسان بعد الصدمة، حين يغادر موضع الخطر ولا يستعيد شعوره بالأمان؟
وجدت أن الإجابة تبدأ بالانتباه إلى المرحلة التي يمر بها. ففي اللحظات الأولى قد يصعب عليه استيعاب ما جرى، فضلًا عن روايته بوضوح. تبدأ المساندة حينها بالاطمئنان إلى سلامته، وإتاحة مكان هادئ له، ومساعدته في حاجاته المباشرة؛ كالاتصال بأسرته أو وجود شخص يثق به إلى جانبه. لا يحتاج إلى أسئلة كثيرة بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأنه آمن وأنه ليس وحده.
ثم يمضي الوقت، ويعود الناس إلى أعمالهم، ويُنتظر منه أن يعود إلى حياته كما كانت. لكن أثر التجربة قد يظهر في نومه أو تركيزه أو قدرته على أداء ما اعتاده. وقد تبدو عبارة «الحمد لله أنك بخير» مواساة كافية لمن يقولها، بينما يشعر هو أنها تختزل معاناته في مجرد نجاته من الحدث. يمكن للإنسان أن يكون ممتنًا لسلامته، وأن يظل متألمًا في الوقت نفسه.
لذلك ينبغي أن نسبق النصيحة بسؤال، وأن نسبق السؤال بإنصات: هل يريد أن يتحدث؟ هل يحتاج إلى مساعدة عملية؟ أم يحتاج إلى وقت ومساحة لا يُطالَب فيهما بشرح ما يشعر به؟
قد نزيد ألم من نحب، من حيث نريد مواساته؛ نلحّ عليه أن يحكي، أو نطلب منه أن يكون قويًا، أو نقارن تعافيه بتجربة شخص آخر. بينما تمنحه المساندة الواعية حقه في أن يتأثر، وحقه في أن يعبّر بطريقته، من غير أن نتركه وحيدًا. وإذا استمرت معاناته وأثرت في حياته اليومية، فإن تشجيعه على طلب الدعم المتخصص يصبح جزءًا من الوقوف إلى جانبه.
لقد أكدت لي كتابة هذه الرسالة أن الاهتمام بالإنسان بعد الأزمة يبدأ من احترام تجربته، لا من افتراض أننا نعرف حجمها أو المدة التي ينبغي أن تستغرقها. قد لا نملك تغيير ما حدث، لكننا نملك أن نكون أكثر وعيًا بما نقوله، وأكثر انتباهًا لما يحتاجه، وأكثر رفقًا وهو يستعيد طريقه.
همسة أمل: لا تطلب من المتألم أن يعود سريعًا كما كان؛ فبعض التجارب تغيّر الإنسان، والتعافي لا يعني محو أثرها. امنحه حقه في الوقت، وكن إلى جانبه بما يحتاجه هو، لا بما تظن أنه ينبغي أن يحتاجه. فقد تبدأ استعادة الأمان من شعوره بأن ألمه مفهوم، وأنه ليس مضطرًا إلى عبور الطريق وحده ..