ماذا نطعم أطفالنا؟

عندما تتحوّل الحلويات والشيبسي والمشروبات المحلّاة من «دلع» إلى خطرٍ يومي على صحة الطفل
من قلب الأسرة
في كثير من البيوت، أصبحت الشوكولاتة مكافأة، والشيبسي وسيلة للتسلية، والعصائر المعلّبة جزءًا من الوجبة، والمشروبات الغازية حاضرة على المائدة، أما السكاكر والحلويات الملوّنة فأصبحت من الأشياء التي يصعب على الطفل مقاومتها.
وقد تقول الأم:
«إنه طفل… دعيه يستمتع!»
لكن المشكلة ليست في قطعة شوكولاتة أو حلوى يتناولها الطفل من وقت إلى آخر.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المنتجات إلى جزء أساسي ومتكرر من غذائه اليومي، وتحلّ مكان الأطعمة الطبيعية التي يحتاجها جسمه ودماغه للنمو.
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل:
هل كل ما يحبه طفلنا هو فعلًا ما يحتاجه جسمه ودماغه؟
الطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام… بل إلى غذاء صحي يغذي دماغه و جسده
مرحلة الطفولة هي مرحلة نمو سريع، والدماغ والجسم يحتاجان إلى مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية حتى يتمكنا من القيام بوظائفهما بشكل جيد.
وعندما يعتمد الطفل بشكل كبير على الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكريات والمصنّعة بكثرة، فقد يحصل على طاقة وسعرات حرارية، ولكن على حساب تنوع وجودة الغذاء الذي يحتاجه.
وهنا لا نتحدث فقط عن الوزن أو الأسنان.
نحن نتحدث أيضًا عن العادات الغذائية التي تتكوّن في السنوات الأولى، وعن جودة الطاقة التي يحصل عليها الطفل خلال يومه.
فالطفل يحتاج إلى طاقة تساعده على اللعب والتعلّم والنمو، وليس إلى اعتماد متكرر على مصادر سريعة من السكر والمشروبات المحلّاة والحلويات.
لماذا قد نلاحظ تغيّرًا في سلوك الطفل بعد تناول هذه الأطعمة؟
عندما يتناول الطفل كميات كبيرة من السكريات والأطعمة شديدة التصنيع، قد يحصل على دفعة سريعة من الطاقة، خصوصًا عندما تكون هذه المنتجات جزءًا متكررًا من يومه.
وبعض الأطفال قد يظهر عليهم بعد ذلك زيادة في النشاط، صعوبة أكبر في الاستقرار، تشتت في الانتباه أو تقلب في مستوى الطاقة، وقد ينعكس ذلك على قدرتهم على الجلوس لوقت أطول والاستماع ومتابعة النشاط التعليمي.
وهذا الأمر قد يكون أكثر وضوحًا عند الأطفال الذين لديهم أصلًا صعوبات في تنظيم الانتباه أو النشاط أو الاستثارة الحسية.
لكن المهم أن نفهم أن الطفل لا يحتاج إلى طاقة أكثر من حاجته الطبيعية.
هو يحتاج إلى طاقة مستقرة ومنظمة تساعده على أن يلعب، ويتعلم، ويركز، ويستوعب.
فالطفل الذي يدخل إلى الصف وهو متعب، أو جائع، أو يعتمد على الوجبات السكرية والمشروبات المحلّاة، قد تكون قدرته على الاستفادة من النشاط التعليمي مختلفة عن طفل يحصل على وجبات متوازنة ونوم كافٍ وروتين صحي.
وماذا عن الألوان والأصباغ الموجودة في بعض الحلويات؟
الكثير من السكاكر والحلويات والمشروبات الملوّنة تحتوي على ألوان وإضافات غذائية مختلفة.
بعض الأبحاث أشارت إلى أن بعض الأطفال قد يكونون أكثر حساسية لمثل هذا النوع من الأطعمة وقد تظهر لديهم تغيرات سلوكية مثل زيادة النشاط صعوبة في التركيز ، ضعف في الاستيعاب ،
لذلك، عندما نرى طفلًا يتناول كمية كبيرة ومتكررة من المنتجات شديدة التصنيع، فمن الحكمة ألا نجعل هذه المنتجات أساسًا لنظامه الغذائي.
والقاعدة البسيطة التي تستطيع كل أسرة تطبيقها هي:
كلما كان الطعام أقرب إلى طبيعته، كان من الأسهل أن نعرف ماذا نقدم لأطفالنا.
وماذا عن أطفال التوحّد وفرط الحركة؟
الأطفال الذين لديهم اضطرابات عصبية نمائية ،و صعوبات في الانتباه والتنظيم السلوكي يحتاجون إلى عناية أكبر بنمط حياتهم اليومي.
ليس لأن الطعام وحده يفسّر حالتهم، وإنما لأننا نتعامل مع طفل يحتاج أصلًا إلى بيئة تساعده على تنظيم طاقته، وانتباهه، ونومه، واستجاباته الحسية والسلوكية.
لذلك، عندما يكون غذاؤه مليئًا بالحلويات والمشروبات المحلّاة والوجبات الخفيفة شديدة التصنيع، فمن الأفضل ألا تكون هذه المنتجات جزءًا أساسيًا من يومه.
والأهم أن ننتبه إلى أن بعض الأطفال، خصوصًا الأطفال المصابين بالتوحّد، قد تكون لديهم انتقائية غذائية شديدة، وقد يرفضون أطعمة كثيرة بسبب اللون أو الرائحة أو الملمس.
لذلك لا يكون الحل بمنع كل شيء فجأة.
بل نعمل تدريجيًا على توسيع قائمة الأطعمة المقبولة لديه، وإضافة الخيارات الطبيعية والمغذية بطريقة تناسب قدرته الحسية وتفضيلاته.
لا يكفي أن نقول للطفل: «ممنوع»
إذا قلنا للطفل:
«ممنوع الشيبسي!»
ثم لم نقدم له شيئًا يحبه بدلًا منه، فغالبًا سيبقى يفكر بالشيبسي.
أما إذا قلنا:
«تعال نعمل سناك طيب سوا.»
وأعطيناه طبق فواكه بألوان جميلة، أو فاكهة مقطعة بطريقة جذابة، أو عصيرًا طازجًا، أو خيارًا منزليًا بسيطًا، فنحن لا نحرمه فقط…
بل نعلّمه الاختيار.
فلنقدم الفاكهة بطريقة يحبها الطفل
ليس المطلوب أن نضع أمام الطفل تفاحة ونقول له:
«هذه صحية… كلْها.»
ثم نستغرب لماذا يرفضها.
يمكن أن نقدم الفواكه الموسمية بطريقة محببة:
فواكه مقطعة بأشكال جميلة تثير شهية الطفل و رغبته في الأكل .
ويمكن أن نترك الطفل يشارك في اختيار الفواكه التي بحبها وتحضير الطبق.
فالطفل عندما يشارك في إعداد الطعام، قد يصبح أكثر استعدادًا لتجربته.
وماذا عن العصائر؟
العصير الطازج خيار أفضل من المشروبات المحلّاة والعصائر الصناعية، لكن تبقى الفاكهة الكاملة هي الخيار الأفضل غالبًا لأنها تحتوي على الألياف وتساعد على الشبع.
أما الماء، فيجب أن يبقى المشروب الأساسي للطفل.
والفكرة ليست أن نمنع الطفل من كل شيء.
بل أن نغيّر ترتيب الأولويات:
الماء أولًا.
الفاكهة بدل السكاكر قدر الإمكان.
الطعام البيتي بدل الوجبات السريعة شديدة التصنيع.
والحلويات بكميات محدودة، وليس كجزء أساسي من كل يوم.
لا تجعلوا الطعام وسيلة لتعديل السلوك
من الأخطاء الشائعة أن تصبح الحلوى مكافأة دائمة:
«إذا درست أعطيك شوكولاتة.»
«إذا سكت أعطيك سكاكر.»
«إذا خلصت واجبك، ستأخذ شيبس.»
بهذه الطريقة، قد يتعلم الطفل أن الطعام الحلو هو الجائزة الكبرى.
يمكننا بدلًا من ذلك استخدام مكافآت غير غذائية:
حضن، قصة، لعبة، وقت خاص مع الأم أو الأب، نشاط يحبه الطفل، نزهة قصيرة، أو كلمة تقدير حقيقية.
رسالتنا للأهل
نحن لا نريد أن نخيف الطفل من الطعام.
ولا نريد أن نجعل قطعة الشوكولاتة «ممنوعة» وكأنها شيء خطير.
لكننا في الوقت نفسه لا نريد أن تصبح الحلويات والمشروبات المحلّاة والشيبسي والسكاكر الجزء الأكبر من غذاء أطفالنا.
خصوصًا عندما يكون الطفل في مرحلة يحتاج فيها جسمه ودماغه إلى غذاء متنوع ومتوازن يساعده على النمو والتعلم وتنظيم الطاقة والانتباه.
والرسالة ليست:
«احرموا أطفالكم من كل شيء.»
بل:
«قدّموا لهم الأفضل أولًا.»
اجعلوا الفاكهة موجودة في البيت.
قدّموا الماء بدل المشروبات المحلّاة.
حضّروا العصائر الطازجة بانفسكم .
اجعلوا السناك الصحي جميلًا وممتعًا.
دعوا الطفل يشارك في اختيار وتحضير الطعام.
خففوا تدريجيًا من المنتجات شديدة التصنيع بدل أن تكون هي الخيار السهل في كل مرة.
لأن طفلنا لا يحتاج فقط إلى أن نشبعه…
هو يحتاج أن نغذي جسمه، وندعم نمو دماغه، ونساعده على أن يمتلك الطاقة المناسبة للتعلم والتركيز والنمو حسب مرحلته العمرية .
وفي النهاية، تذكّروا:
ما نقدمه لطفلنا اليوم لا يشبع معدته فقط… بل يساعد في تشكيل عاداته الصحية للسنوات القادمة.
فلنجعل ما يصل إلى طبق أطفالنا قريبًا من الطبيعة، غنيًا بالفائدة، ومقدمًا بطريقة تجعل الطفل يحبّه و ينمو جسديا و ذهنيا بشكل صحي و طبيعي .