ماوراء الارقام .. كيف تصنع مؤشرات الأداء قرارات افضل ؟

بقلم / خالد العمار  

في عالم الأعمال لا يكفي أن نعمل كثيرًا، ولا أن تمتلئ جداول الموظفين بالمهام، ولا أن تنشغل المنظمة طوال اليوم بالحركة والاجتماعات والتقارير
وإنما السؤال الأهم هو: ماذا حققنا؟

هنا تأتي مؤشرات الأداء؛ ليس باعتبارها أرقامًا تُضاف إلى التقارير، وإنما بوصفها أداة تساعد المنظمة على فهم واقعها، وقراءة نتائجها، واكتشاف الفجوة بين ما تخطط له وما يتحقق فعليًا.

المشكلة لا تكمن عادةً في غياب المؤشرات، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فبعض المنظمات تقيس كل شيء تقريبًا، حتى تتحول المؤشرات من وسيلة للفهم إلى عبء إداري، بينما تكتفي منظمات أخرى بمؤشرات كثيرة لا ترتبط بأهدافها الحقيقية.

المؤشر الجيد لا يخبرك فقط بما حدث، بل يدفعك إلى طرح سؤال أهم: لماذا حدث؟

فعندما تنخفض نسبة الالتزام، لا ينبغي أن تكون أول استجابة هي مساءلة الموظف. ربما تكون المشكلة في الإجراءات، أو في الموارد، أو في وضوح التوقعات، أو في التدريب، أو حتى في تصميم العملية نفسها.

ولهذا فإن مؤشرات الأداء يمكن أن تكون أداة للتطوير قبل أن تكون أداة للمحاسبة.

فإذا كشفت المؤشرات وجود ضعف متكرر لدى فريق معين، فإن السؤال المهني ليس فقط: من المسؤول؟ بل أيضًا: ما الذي يحتاجه هذا الفريق حتى يتحسن؟ هل يحتاج إلى تدريب؟ أم إلى موارد؟ أم إلى إعادة تصميم للعملية؟ أم إلى صلاحيات أوضح؟

وهنا تتحول ثقافة المؤشرات من ثقافة تبحث عن الخطأ إلى ثقافة تبحث عن السبب.

المؤشرات إذن ليست مجرد أرقام؛ إنها لغة إدارية تساعد القيادة على رؤية ما قد لا تراه العين المجردة.

لكن الرقم، مهما كان دقيقًا، لا يتحدث من تلقاء نفسه ، فقد يتحسن مؤشر معين بينما تتراجع مؤشرات أخرى ، وقد ترتفع الإنتاجية على حساب الجودة، أو تنخفض مدة تقديم الخدمة على حساب تجربة العميل. ولذلك فإن قراءة المؤشرات تحتاج إلى سياق، وربط، وتحليل، وليس مجرد مقارنة رقم برقم.

حين يصبح الموظف منشغلًا بتحقيق الرقم فقط، قد يبدأ في البحث عن الطريقة الأسهل لرفع المؤشر، حتى لو لم تحقق النتيجة التي تريدها المنظمة. وهنا يتحول المؤشر من بوصلة إلى غاية، وتبدأ المنظمة في قياس ما تستطيع قياسه بدل أن تقيس ما تحتاج إلى معرفته فعلًا.

لذلك فإن بناء منظومة مؤشرات فعالة يبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: ما الذي نريد تحقيقه؟

ثم يأتي السؤال التالي: كيف سنعرف أننا حققناه؟

وبعدها فقط نبحث عن المؤشر المناسب.

والأهم من تصميم المؤشر هو ما يحدث بعد ظهور النتيجة. فالمؤشر الذي يُقاس ولا يُحلل، مجرد رقم. والمؤشر الذي يُحلل ولا يُتخذ بناءً عليه قرار، تقرير آخر. أما المؤشر الذي يقود إلى تعلم، وتحسين، وتصحيح، وتمكين، فهو الذي يصنع قيمة حقيقية.

المنظمات الناضجة لا تستخدم مؤشرات الأداء لتخويف موظفيها من الأرقام، بل تستخدمها لتساعدهم على فهم الواقع.

فحين يقول المؤشر إن هناك قصورًا، لا ينبغي أن تكون الرسالة دائمًا: “من أخطأ؟”

بل قد تكون: “ماذا نتعلم؟”

وحين يكشف المؤشر فجوة، لا يكون الهدف فقط سدها مؤقتًا، بل فهم أسبابها ومنع تكرارها.

في النهاية :

ليست قوة المنظمة في عدد المؤشرات التي تملكها، وإنما في قدرتها على تحويل المؤشرات إلى قرارات، والقرارات إلى تحسين ، والتحسين الى نتائج مستدامة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى