حين يتحدث الوطن… السعودية في يومها الوطني الـ96

بقلم: د. ابتسام عبد العزيز  

هناك أيام تمرّ على التقويم، وأيام تمرّ على القلب… واليوم الوطني السعودي واحدٌ من تلك الأيام التي لا تُقاس بساعاتها، بل بما توقظه فينا من مشاعر الانتماء والامتنان والفخر.

في عامه السادس والتسعين، لم يكن اليوم الوطني السعودي مجرد مناسبة تتزين لها المدن، وترفرف فيها الرايات، وتصدح فيها الأناشيد؛ بل كان مشهدًا وطنيًا واسعًا، اجتمعت فيه القلوب قبل أن تجتمع الأيدي، وتنوّعت فيه طرق التعبير عن حب الوطن، حتى بدا كل شارع وكل ميدان وكأنه يروي بطريقته الخاصة حكاية السعودية.

من الفعاليات الثقافية والفنية، إلى الأنشطة المجتمعية، والمشاركات الطلابية، والعروض الوطنية، والمبادرات التي شارك فيها الأطفال والشباب والأسر؛ تحولت المناسبة إلى مساحة مفتوحة للتعبير عن الهوية السعودية، وإظهار المواهب، واستحضار تاريخ وطنٍ لم يتوقف عند أمجاد الماضي، بل واصل صناعة مستقبله.

واللافت في المشهد الوطني أن الفرح لم يكن حكرًا على فئة دون أخرى.

كان الطفل حاضرًا برسمةٍ صغيرة تحمل معنى كبيرًا، وكانت الطالبة تكتب عن وطنها، وكان الفنان يترجم مشاعره بالألوان، وكان الموهوب يقدم موهبته، وكانت الأسرة تصنع من المناسبة ذكرى تبقى في ذاكرة أبنائها.

وكان للأشخاص ذوي الإعاقة حضورهم أيضًا؛ حضور يؤكد أن الوطن حين يفتح أبوابه للجميع، يصبح الانتماء أكثر جمالًا، وتصبح المشاركة الوطنية حقًا ومساحةً لإظهار القدرة والعطاء.

فالوطن لا يُقاس بمن يستطيع الوصول إلى منصاته فقط، وإنما بمن يمنح كل أبنائه فرصة أن يكونوا جزءًا من قصته.

وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية للفعاليات الوطنية؛ فهي لا تقدم لنا مشهدًا للاحتفال فحسب، وإنما تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعبير عن علاقتها بوطنها، وتحوّل حب الوطن من مفهومٍ مجرد إلى تجربة يعيشها الطفل والطالب والأسرة والمجتمع.

لكن خلف كل هذه الألوان والأضواء، يبقى سؤال أكثر عمقًا:

ماذا يعني أن نحب وطنًا؟

هل يكفي أن نرفع العلم؟

أن نرتدي الأخضر؟

أن نردد الأناشيد؟

ربما تكون هذه صورًا جميلة من الاحتفال، لكنها ليست الحكاية كاملة.

حب الوطن الحقيقي يظهر حين نحافظ على مكتسباته، ونحترم أنظمته، ونؤدي مسؤولياتنا، ونحسن التعامل مع الآخرين، ونربي أبناءنا على العطاء، ونسعى لأن نترك في وطننا أثرًا أجمل مما وجدناه.

فالوطن لا يحتاج منا كلمات كثيرة بقدر ما يحتاج منا عملًا صادقًا.

ومع كل عام وطني جديد، تتغير تفاصيل الاحتفال، لكن تبقى الحقيقة واحدة:

أن السعودية ليست مجرد أرضٍ نعيش فوقها، بل وطنٌ نعيش به وفيه ومن أجله.

ستظل الراية الخضراء ترفرف فوق مدن المملكة، وستظل في الوقت نفسه حاضرة في قلوب أبنائها؛ في أحلامهم، وطموحاتهم، ونجاحاتهم، وفي كل خطوة يخطونها نحو المستقبل.

وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لم يكن السؤال: كيف احتفلنا؟

بل كان السؤال الأجمل:

كيف نواصل بناء الوطن الذي نحتفل به؟

لأن الاحتفال ينتهي، وتنطفئ الأضواء، وتعود الشوارع إلى هدوئها…

لكن الوطن يبقى.

ويبقى واجبنا تجاهه.

ويبقى الحلم السعودي مفتوحًا على فصول جديدة، يكتبها أبناؤه وبناته كل يوم.

كل عام والسعودية وطنٌ يزداد حضورًا في العالم، ويزداد حبًا في قلوب أبنائه.
وكل عام ورايتها خضراء… عالية، شامخة، وحكايتها لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى