الاتصالات في وقت الصلاة..!

هناك ملاحظة اجتماعية ربما لا نلتفت إليها كثيرًا، لكنها تستحق شيئًا من التأمل والوعي، وهي كثرة الاتصالات الهاتفية في أوقات الصلاة، خصوصًا عندما يدخل الإنسان المسجد لأداء الفريضة.
قد يتصل بك شخص وهو يعلم، أو يفترض، أنك في وقت صلاة، ومع ذلك تتكرر الاتصالات وكأن المتصل يترصد لحظة دخولك المسجد! وربما يكون الأمر في ظنه بسيطًا، لكنه بالنسبة إلى من يستقبل الاتصال في ذلك الوقت قد يكون مصدر إزعاج وقطعًا لشيء من الخشوع والطمأنينة.
ومن واقع تجربة شخصية، أشعر بالانزعاج من كثرة الاتصالات أثناء الصلاة أو عند دخول المسجد، ليس لأن الاتصال في ذاته أمر مزعج، وإنما لأن هذا الوقت له خصوصيته؛ فالإنسان مقبل على الصلاة، ويريد أن يهيئ نفسه للوقوف بين يدي الله، وأن ينشغل بالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن، بعيدًا عن مشاغل الحياة واتصالاتها.
والأمر لا يتوقف عند رنين هاتف واحد؛ فقد تسمع في المسجد أصواتًا مختلفة للهواتف، حتى إن بعضها يخرج بصوت مرتفع يثير الاستغراب: كيف استطاع هذا الهاتف أن يتحول إلى ما يشبه مكبر الصوت داخل المسجد؟
والأغرب أن بعض الاتصالات تستمر حتى بعد انتهاء الصلاة مباشرة؛ فهذا يبحث عن زر إغلاق الهاتف، وآخر يحاول جعله على الوضع الصامت، وثالث كان قبل الصلاة يشاهد مقطعًا أو يستمع إلى شيء، فإذا فتح هاتفه بعد الصلاة انطلق الصوت داخل المسجد، وربما كان المقطع أغنية أو مادة لا تليق بمكان العبادة.
وهنا لا نتحدث عن الخطأ بقصد التجريح، ولا نبحث عن لوم أحد، وإنما عن سلوك بسيط يحتاج إلى مزيد من الوعي.
كم هو جميل أن نجعل دخولنا المسجد فرصة للابتعاد قليلًا عن الهاتف، وأن نضعه على الصامت قبل الدخول، أو نغلقه إن لم نكن بحاجة إليه. والأجمل أن نمنح من نعرفهم فرصة لأداء صلاتهم دون أن نطالبهم بالرد في تلك اللحظات.
وليس الأمر مقتصرًا على المساجد وحدها؛ فالاتصال في وقت غير مناسب قد يسبب الإزعاج في كل مكان. قد يكون الشخص مسافرًا برًا أو جوًا، أو حاضرًا مناسبة اجتماعية، أو منشغلًا بعمل، أو ربما يمر بظرف طارئ أو حادث لا سمح الله. وفي كل هذه الحالات، ليس كل اتصال عاجلًا، وليس كل أمر يستحق أن نضغط من أجله زر الاتصال مرة بعد أخرى.
لقد أصبح الهاتف جزءًا أساسيًا من حياتنا، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر دائم للضغط على الآخرين. ليس من الضروري أن يصل الإنسان إلى من يريد في اللحظة التي يريدها هو. أحيانًا يكون الانتظار احترامًا، والصمت ذوقًا، وتأجيل الاتصال تقديرًا لظروف الآخرين.
ومن الجميل أن نسأل أنفسنا قبل الاتصال:
هل الأمر ضروري الآن؟
وهل يمكن تأجيله قليلًا؟
وهل الشخص الذي أتصل به قد يكون في صلاة أو اجتماع أو قيادة أو موقف لا يسمح له بالرد؟
إنها أسئلة بسيطة، لكنها تعكس مستوى من الوعي والذوق الاجتماعي.
ولعلنا جميعًا نحتاج إلى ثقافة جديدة في التعامل مع الهاتف، تقوم على احترام أوقات الآخرين، وعدم تكرار الاتصالات إلا عند الحاجة، والتمييز بين الأمر العاجل والأمر الذي يمكن أن ينتظر.
فالصلاة لحظات سكينة، والمسجد مكان للطمأنينة، والعبادة تحتاج إلى هدوء القلب والجوارح. ومن الجميل أن نساعد بعضنا على المحافظة على هذه السكينة، لا أن نكون سببًا في تشتيت الآخرين دون قصد.
وفي النهاية، قد يكون اتصالنا مهمًا، لكن ربما يكون بعد دقائق أكثر مناسبة. وقد يكون الرد ضروريًا، لكن ليس بالضرورة في تلك اللحظة.
فلنجعل من هواتفنا وسيلة للتواصل، لا وسيلة لإزعاج الآخرين، ولنجعل احترام أوقات الناس ثقافة اجتماعية راسخة؛ فليس كل اتصال ضروريًا، وليس كل وقت مناسبًا للاتصال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[email protected]