الحكاية العجيبة: ثوابت الوظائف ودوائر الشخصيات عند فلاديمير بروب

في عالم الحكايات العجيبة، حيث تتشابك الخيوط السردية وتتكرر المصائر، يقف نموذج “فلاديمير بروب” شاهداً على أن الدهشة ليست وليدة العشوائية، بل هي بناء محكم يقوم على ثنائية الثوابت والمتغيرات. يبرز في قلب هذا البناء الفعل الثابت، “الوظيفة”، التي تشكل العمود الفقري للحكاية، بينما تتلون حولها الشخصيات والأدوات كمتغيرات لا تُحصى. فحين يُعطي الملك رجلاً شجاعاً نسراً يحمله إلى بلاد أخرى، أو يمنح الجد “سوتشنكو” حصاناً ينقله إلى المجهول، أو يقدم ساحر لـ “إيفان” زورقاً، أو تهدي الملكة “إيفان” خاتماً يخرج منه رجال أشداء، فإن النتيجة تبقى واحدة: وظيفة “منح أداة أو وسيلة للبطل”. هنا تتجلى البراعة السردية؛ فالشخصيات تتغير، والوسائل تتبدل، لكن جوهر الفعل السردي يظل عصياً على التحول.
تتوزع هذه الشخصيات على دوائر سبع تحكم حركة الحكاية. تبدأ من دائرة “المعتدي” التي تمارس الإساءة والصراع المباشر، وتنتقل إلى “دائرة الواهب” التي تختبر البطل وتمنحه الأداة السحرية، فـ”دائرة المساعد” التي تسهل التنقل وإنجاز المهام الصعبة. وفي المنتصف تقف “دائرة الأميرة” كموضوع للبحث، تطلب المهام وتكشف زيف المزيف وتعتز بالبطل الحقيقي. أما “دائرة البطل” فهي مسرح الانطلاق والتفاعل والفوز، بينما تقوم “دائرة البطل المزيف” بدعوى الإنجاز لتُكشف وتُعاقب في النهاية. هذه الدوائر ليست معزولة، بل تتشابك لترسم خريطة السرد.
وتكمن عبقرية هذا المنهج في أن عدد الوظائف محدود، وأن تسلسلها واحد حتى لو سقطت بعض الحلقات، وأن كل الحكايات العجيبة تنتمي إلى نمط بنيوي واحد. يبدأ التمهيد بالابتعاد والنهي والخرق والاستخبار والاطلاع والخداع والتواطؤ، ثم يتصاعد التعقيد عبر الافتقار أو الإساءة، فالوساطة، فبداية الفعل المضاد، ثم الرحيل الذي يفتح أبواب المجهول. تتكرر هذه الوظائف في مسارات متوازية، وكأن الحكاية تعيد ترتيب نفسها: ابتعاد، نهي، خرق، استخبار، اطلاع، خداع، تواطؤ، افتقار، وساطة، بداية فعل مضاد، رحيل، ثم إساءة. وهكذا تنكشف الحكاية العجيبة كبناء سردي متماسك، تتحرك فيه الشخصيات داخل دوائرها، وتتكرر فيه الوظائف، ليبقى السحر كامناً في قدرة هذا النموذج على تفسير ما يبدو أنه لا يُفسر.
