حكايات خلف الهدوء

بقلم / أمل بازيد  

تمرّ علينا أوقات تضيق فيها صدورنا بما لم نقله؛ بكلمات توقّفت عند أطراف ألسنتنا، وغصّات ابتلعناها لنُكمل الحديث، ودموع حبسناها لأن اللحظة لم تكن تسمح لنا بالتعب. ثم نمضي إلى أعمالنا ولقاءاتنا بملامح هادئة، تاركين في داخلنا أحاديث تنتظر فرصة للبوح.

تذكّرت ذلك حين استعدت سؤالًا وُجّه إليّ ذات مرة: كيف يستطيع الإنسان أن يبدو قويًّا وهادئًا رغم ما يمرّ به من ضغوط؟ تعدّدت الإجابات، وأشار بعض الحاضرين إلى تسليم الأمر لله. فقلت: ونعم بالله. لكن السائل ظلّ يبحث عمّا يفسّر ذلك الثبات، فقلت: إن القوة والهدوء قد يكونان مكلّفين؛ لقد دفع صاحبهما أثمانًا لا يعلم عنها أحد شيئًا.

لم أقصد أن وراء كل هدوء حزنًا؛ فبعض السكينة ثمرة رضا، وبعض الاتزان حصيلة وعي. لكن ثمة تماسكًا لا نفهمه حتى نعرف الطريق الذي قطعه صاحبه إليه؛ كم مرة حاول أن يشرح فلم يُفهم، وكم موقفًا اضطر إلى تجاوزه قبل أن يستوعب أثره، وكم صباحًا نهض فيه لأن هناك من ينتظره، رغم حاجته إلى من يسنده.

وقد عبّر أبو ذؤيب الهذلي عن التجلّد وسط الوجع بقوله:

وتجلّدي للشامتين أريهمُ
أنّي لريب الدهر لا أتضعضعُ

في هذا البيت مسافة موجعة بين ما يشعر به الإنسان وما يُظهره للآخرين. فقد يضبط صوته دون أن يستعيد طمأنينته، ويحسن الإصغاء إلى من حوله، بينما يتمنّى أن يجد من يصغي إليه. وما يبدو عليه من ثبات قد يكون جهدًا يبذله ليحفظ خصوصيته، أو ليؤدّي مسؤوليات لا يستطيع تأجيلها حتى تهدأ روحه.

وتزداد الكلفة حين يعتاد الناس قوّته؛ يستندون إلى حكمته، ويأتمنونه على همومهم، ثم يغفلون عن سؤاله. وربما قال أحدهم مطمئنًّا: «أنت قوي، ستتجاوز»، فتصل العبارة إلى صاحبها تكليفًا جديدًا بالاحتمال. ومع تكرارها، قد يتردّد في طلب المساندة، خشية أن يخيّب ظنّ من اعتادوا اتزانه، فيحمل ألمه وعبء إخفائه.

ولعلّ أشقّ ما في هذه الحال أن يبوح أخيرًا، فلا يُؤخذ تعبه بجدية؛ لأنه تحدّث بهدوء، أو ابتسم في نهاية حديثه. كأنّ عليه أن ينهار حتى يُصدَّق، وأن تتعثّر كلماته كي يُعترف بثقل ما يحمله. وهكذا تصبح قدرته على التماسك سببًا في تأخّر العون الذي يحتاج إليه.

والتسليم لله يمنح القلب سندًا، وتبقى للإنسان حاجته إلى رفقة رحيمة. يستطيع أن يرضى ويذرف دمعة، وأن يتوكّل ويطلب عونًا، وأن يصون خصوصيته ويبوح لمن يأتمنه. وفي إفساح المجال لهذه الحاجة رحمة بالنفس، قبل أن يتحوّل الاحتمال إلى استنزاف.

وحين يأتمننا من اعتدنا قوّته على لحظة تعب، فلنمنحه وقتًا يتحدّث فيه دون أن نسارع إلى تذكيره بقدرته على التحمّل. قد يعرف كيف يتجاوز، لكنه يحتاج هذه المرة إلى ألّا يعبر وحده، وإلى أن يطمئن بأن مكانته لدينا محفوظة، حتى حين تخونه قدرته على الثبات.

همسة أمل

خلف هدوء من حولنا حكايات لم تُروَ، وأثمان لا نعرفها؛ فلنرفق بهم، ولنترك لهم بابًا للبوح دون أن نُلزمهم بالشرح. بعض القلوب التي اعتدنا الاستناد إليها تتمنّى لحظة تستند فيها إلينا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى