عمليات التجميل وتنسيق القوام.. !

في أحد الأيام، وأنا واقف بسيارتي عند الإشارة المرورية، لفت انتباهي إعلان متحرك لأحد المجمعات الطبية يعلن عن وصول طبيب متخصص في عمليات التجميل وتنسيق القوام. قرأت الإعلانات، وارتسمت على وجهي ابتسامة أعقبها ضحك لا شعوري، وبدأت أحدث نفسي: إلى أين وصل بنا هوس التنسيق؟!
ليس حديثي اعتراضًا على تخصص طبي، ولا انتقاصًا من مجمع أو شخص، فهناك حالات تستدعي التجميل بسبب الحوادث أو التشوهات أو الضرورات الصحية، وهذا أمر مقدّر. إنما حديثي عن المبالغة في ملاحقة مقاييس الجمال، حتى أصبح بعض الناس لا يرضون عن خلقتهم إلا بعد تعديلها!
بعض الناس يُفرط في الأكل، حتى ينتفخ القوام وتتغير الملامح، ثم يبحث عن الحل في شفط الدهون وشدّ الجسم وقصّ الجوانب! وكأن الرسالة للجسد: كُلْ كما تشاء، فهناك من سيعيد ترتيبك!
يا صاحبي، أليس الأولى أن تبدأ بتنظيم غذائك وممارسة الرياضة قبل أن تجعل غرفة العمليات محطة لتصحيح عاداتك؟ فليس كل ما تسببه المبالغة في الطعام يُعالج بمشرط، ولا كل مشكلة حلها في عيادة تجميل.
ثم تتوالى التعديلات؛ أنف يُعدّل، وموضع يُكبّر، وآخر يُصغّر، وكأن الإنسان أصبح مشروعًا مفتوحًا لا تنتهي أعماله!
يقول الله سبحانه وتعالى: ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”
فلماذا يظل بعض الناس يطاردون صورة مثالية رسمتها الإعلانات ووسائل التواصل، وينفقون الأموال على تعديلات قد لا يحتاجون إليها؟ والمفارقة أن بعضهم ينتهي من عملية ليبدأ التفكير في أخرى، وكأن الجمال يحتاج إلى تجديد سنوي!
إن العناية بالصحة، والاعتدال في الطعام، والحركة، والرضا بالنفس، أمور تستحق أن تتقدم على التغييرات الشكلية غير الضرورية. والأموال التي تُهدر في تحسينات لا حاجة إليها قد تكون أنفع للإنسان وأسرته ومستقبله.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نعمّم أو نحكم على أحد؛ فلكل إنسان ظروفه، والتجميل قد يكون ضرورة في حالات معينة، والقرار الصحيح يكون باستشارة طبيب مؤهل ومعرفة المنافع والمخاطر.
لسنا ضد التجميل، بل ضد المبالغة فيه، ولسنا ضد تنسيق القوام، بل مع تنسيق العادات والأولويات والمصروفات أيضًا!
اعتنِ بجسدك، وعالج ما يحتاج إلى علاج، لكن لا تجعل ملاحقة الجمال تستنزف مالك أو تعرض صحتك للخطر. فليس كل ما يمكن تغييره يجب تغييره، وليس كل ما تروّج له الإعلانات يستحق أن تدفع ثمنه.
يا جماعة الخير، نسّقوا القوام، لكن لا تنسوا تنسيق العقول والعادات والمصروفات!
فأجمل تنسيق أن تحافظ على صحتك، وأذكى توفير أن تتجنب ما لا تحتاج إليه، وأعظم نعمة أن ترضى بما وهبك الله، دون إسراف أو مبالغة أو انتقاص من أحد.
[email protected]