العصا البيضاء.. ليست علامة عجز

بقلم / د.ابتسام عبدالعزيز  

في الخامس عشر من أكتوبر من كل عام، يأتي اليوم العالمي للعصا البيضاء ليذكّرنا بأن هناك رمزًا أبيض صغيرًا يحمل في طياته معنى كبيرًا؛ معنى الاستقلال، والثقة، والقدرة على أن يشق الإنسان طريقه بنفسه.

العصا البيضاء بالنسبة للكفيف ليست مجرد أداةٍ يستعين بها في الطريق، بل قد تكون وسيلة تمنحه الأمان، وتساعده على اكتشاف العوائق من حوله، وتُعرّف الآخرين بأن أمامهم شخصًا كفيفًا يحتاج إلى مساحة واحترام، لا إلى شفقة.

لكن، هل كل كفيف يحب استخدام العصا البيضاء؟

الحقيقة أن الإجابة: لا.

فهناك مكفوفون لا يشعرون بالارتياح عند استخدامها، وقد يتحسسون منها أو يرفضون حملها، ليس لأنهم عاجزون، بل لأنهم اعتادوا على الاعتماد على أنفسهم، وعلى وسائل أخرى في التنقل، وربما لا يرغبون في أن تكون إعاقتهم أول ما يلاحظه الآخرون فيهم.

وهنا تكمن الحقيقة التي ينبغي أن نفهمها جيدًا:

العصا البيضاء لا تقيس قدرة الكفيف، كما أن عدم استخدامها لا يعني أن الكفيف أكثر قدرة أو أقل استقلالًا.

فالاختلاف في طريقة التنقل لا يعني اختلافًا في الطموح أو الكفاءة.

الكفيف إنسان قبل كل شيء؛ له اختياراته، وقناعاته، وطريقته الخاصة في التعامل مع إعاقته. ومن حقه أن يختار ما يناسبه دون أن يُحكم عليه من خلال عصاه، أو من خلال عدم حملها.

ولعل الرسالة الأهم في هذا اليوم ليست أن نقول للكفيف: «استخدم عصاك»، بل أن نقول للمجتمع: احترم اختياراته، ولا تجعل الطريق أصعب عليه.

فكم من رصيفٍ أُغلق، وكم من سيارةٍ وُضعت في مسار المشاة، وكم من عائقٍ ترك في طريقٍ يفترض أن يكون آمنًا!

العصا البيضاء تستطيع أن تساعد الكفيف في اكتشاف الطريق، لكنها لا تستطيع إزالة العوائق منه.

لذلك، فإن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية لا يكون بالشفقة، وإنما بتوفير بيئةٍ مهيأة، وطرقٍ آمنة، ومجتمعٍ واعٍ يحترم استقلالهم وخصوصيتهم.

وفي اليوم العالمي للعصا البيضاء، لنتذكر أن البصيرة قد ترى ما لا تراه الأبصار، وأن الاستقلال لا تحدده أداة نحملها، بل ثقة نحملها في داخلنا.

فالعصا البيضاء ليست علامة عجز…

بل قد تكون علامة على أن صاحبها اختار أن يمضي في طريقه بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى