وطن لا يُهزم

في لحظاتٍ قليلة، قد يتغير كل شيء؛ مشهدٌ كان مليئًا بالحياة، وضحكاتٌ تتعالى، وأطفالٌ يلعبون، وعائلاتٌ تنتظر رحلتها بسعادة، وحاجٌّ يرتدي إحرامه متوجهًا إلى بيت الله الحرام. تفاصيل إعتيادية تُعاش يوميًا، وفي لحظة مُهيبة ينقلب المشهد فإذا بإنفجار مفاجئ صوته يهز القلوب و يقلب المشهد، فتحوّل من الألوان إلى الأبيض والأسود، بعدما كان المكان يضجّ بالحركة والحياة، انقلب كل شيء فجأة إلى صمت وكأن الحياة توقفت لثواني ثم عادت تسأل ماذا حدث؟
هذا ما عاشه المسافرون في مطار الملك خالد الدولي بالرياض وقت الاعتداء؛ في لحظات الانفجار، تداخلت الأصوات والمشاهد؛ ابنٌ يبحث عن أمه المسنّة، وأشخاص ينادون إخوتهم وأصدقاءهم، وأمٌّ تبحث عن أبنائها، وآخرون يحاولون الوصول إلى مكان آمن ، وارتفعت أصوات الصراخ والبكاء، واختلطت بها أصوات من يرشدون الناس إلى الأماكن الآمنة، وأصوات تلهج بذكر الله حمدًا واستعانةً به.
وفي خضم هذا المشهد، كان هناك من جاء وحده، لكنه لم يرَ من حوله غرباء؛ بل رأى الجميع أهله، يساعد هذا، ويرشد ذاك، ويمد يده إلى من يحتاج إليها. وكانت أمٌّ برفقة أبنائها تستعد للذهاب إلى العمرة، وقد ابتعد أبناؤها عن الزجاج قبل الانفجار بلحظات، فاستشعرت لطف الله بهم، بينما كانت ابنتها في دورة المياه حين وقع الانفجار، فحماها الله من أن تكون في موضع الخطر. وحين عثرت الأم على ابنتها، علمت أنها تأخرت لأنها ذهبت لمساعدة امرأة مسنّة كانت تحتاج إلى العون.
هكذا تداخلت مشاهد الخوف والنجاة والمساعدة؛ لم يكن الجميع يعرفون بعضهم، لكنهم في تلك اللحظات تصرفوا كأنهم أهلٌ يجمعهم مصير واحد ، لم يكن الهدف نجاة فرد أو عائلة فحسب، بل أن ينجو الجميع.
حين نقرأ مثل هذه القصص، ندرك أن ما قد يبدو خبرًا عابرًا يحمل خلفه أرواحًا ومشاعر وأسرًا، لكلٍّ منها حياتها وأحلامها وتفاصيلها التي لا نعرفها. فالاعتداء لا يستهدف مكانًا فحسب، بل يعرّض حياة الإنسان وطمأنينته للخطر، ويترك أثرًا في نفوس من عاشوا لحظاته.
وقد عظّم الإسلام حرمة الإنسان، فقال رسول الله ﷺ: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» رواه مسلم.
إنها حرمة عظيمة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان؛ فخلف كل إنسان حياة تستحق أن تُصان، وأسرة تنتظره، وأحلام يسعى إليها ، بذالك ندرك أن حماية الأرواح ليست مجرد إجراء أمني، بل مسؤولية إنسانية عظيمة.
ومن هنا تتضح أهمية الجهود التي تبذلها المملكة لحماية أمنها والتصدي لكل ما يهدد سلامة أراضيها ومن يعيش عليها. فالاعتداء الذي طال مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما نتج عنه من شهداء ومصابين، يذكّرنا بأن حماية الوطن مسؤولية الجميع، وأن أمن البلاد وسلامة من يعيشون على أرضها أمانة لا يجوز التهاون فيها،
إن دماء شهدائنا ليست أمرًا نمرّ عليه دون أن نستشعر عِظَم ما حدث، وإن الاعتداءات التي تستهدف أمن بلادنا وسلامة من يعيش على أرضها لا ينبغي أن تُقابل بالتهاون. فمن حق المملكة أن تدافع عن أرضها، وتحمي شعبها، وتصون أمنها وسيادتها، وأن تتخذ ما يلزم من إجراءات مشروعة للتصدي لكل ما يهدد سلامة الوطن. فالحزم في حماية البلاد، والوفاء لدماء شهدائها، والحرص على سلامة أبنائها، معانٍ تتكامل في مسؤولية واحدة: أن يبقى الوطن آمنًا، وأن تُصان حياة الإنسان وكرامته.
ونسأ الله أن يتغمد شهداءنا بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل،
ولا تنتهي المسؤولية عند التصدي للاعتداء، بل تمتد إلى رعاية المتضررين والوقوف بجانبهم، وتقديم العون لهم في أوقات الشدة فقد زار أمير منطقة الرياض، الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، المصابين في الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي للاطمئنان على أحوالهم ونقل تمنيات القيادة لهم بالشفاء، مؤكدًا لهم: «القيادة معكم قلبًا وقالبًا، وأنتم أبناء الوطن وفي أيدٍ أمينة».
كلمات تحمل معنى الرعاية والاحتواء، وتؤكد أن الإنسان لا يُترك وحده في أوقات الشدة، وأن الاهتمام به ومساندته امتدادٌ للجهود المبذولة لحمايته.
وقد عاشت المملكة أعوامًا مديدة في أمن وسلام بفضل الله أولًا، ثم بجهود قيادتها ورجال أمنها، وما زلنا نحمد الله على هذه النعمة. والأحداث المؤلمة، مهما كان أثرها في النفوس، لا تلغي قيمة ما بُذل ويُبذل من جهود لحماية الوطن، بل تذكّرنا بأهمية هذه الجهود وبمسؤوليتنا جميعًا في المحافظة على أمن بلادنا.
وتتكامل مسؤولية حماية الوطن بتكامل أدوار أبنائه؛ فهناك من يتولى الدفاع عنه، ومن يعمل على حماية الموجودين وإرشادهم إلى الأماكن الآمنة،ومن يعالج جراحهم ومن يبادر إلى مساعدة الآخرين حين يحتاجون إليه. وقد لا يعرف الإنسان أثر تصرفه في تلك اللحظة، لكنه قد يكون سببًا في طمأنة خائف، أو مساعدة محتاج، أو حماية إنسان من خطر.
وقد توجّه وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، خلال افتتاح أعمال المؤتمر العالمي الخامس والعشرين للبترول في الرياض، بكلمات معبّرة عن عزيمة السعوديين؛ إذ قال: «كلمة الخوف في القاموس السعودي ليس لها وجود»، وأضاف: «كسعوديين نحن لا نهاب، ونحن أصحاب عزيمة، وسوف نثبت ذلك للعالم كله، وكل ما نمر به سنتغلب عليه».
إن عزيمة المواطن لا تعرف الخوف ، فهي تواجه التحديات ، وتواصل أداء مسؤوليته لحماية الوطن . وهي عزيمة تستمد قوتها من الإيمان بالله، واليقين به، والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].
فالمؤمن يستمد إيمانه من الله ليعينه على مواجهة الشدائد، ويواصل أداء واجبه، ويأخذ بالأسباب، ويستعين بالله في كل ما يواجهه.
وطن لايهزم في تماسك أبنائه، وإخلاص رجاله، ووعي شعبه، وحرصهم على حماية بعضهم بعضًا. وقد رأينا في تلك اللحظات كيف امتدت الأيدي لمساعدة الغرباء، وكيف تحوّل الخوف إلى سعيٍ لنجاة الآخرين، وكأن الجميع أهلٌ لبعضهم، يجمعهم مصير واحد ووطن واحد.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها نعمة الأمن والأمان، واحفظ قيادتها وشعبها وكل من يعيش على أرضها، واحمِ بلاد المسلمين من كل سوء، واجعل أوطاننا دار أمن وسلام.