العصا ومآرٍبها

بقلم / زهور كياري  

قد يمتلك الإنسان أدواتٍ عديدة يترك بها أثرًا، وربما استطاعت الأداة الواحدة أن تكون في يدٍ مصدرًا لذكرى مؤلمة، وفي يدٍ أخرى وسيلةً للمساندة. وبين هذا وذاك، تقف العصا شاهدةً على اختلاف ما تصنعه الأيدي، وما تحمله النفوس من مقاصد..

فمن الذي يحدد وظيفة الأداة؟ طبيعتها أم طريقة استعمال الإنسان لها؟
وهل يكفي أن يمتلك الإنسان الأدوات أم أنه مسؤول عن توجيه استخداماتها؟

وتُعد العصا أداة من الأدوات التي رافقت الإنسان منذ العصور السالفة، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في سياقات متعددة، ومن أبرزها قصة موسى عليه السلام، حين سأله ربه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ ۝١٧﴾
قال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ۝١٨﴾ سورة طه، ١٧–١٨.

واللافت في هذا الحوار أن موسى عليه السلام لم يكتفِ بتسمية العصا، بل ذكر بعض استخداماتها، ثم أضاف قوله: «وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ»، دون أن يفصّل تلك المآرب.
ومن هنا يبرز تعدد وظائف الأداة الواحدة، وما يمكن أن تحمله من استخدامات تتجاوز ما ذُكر منها، وقد رُوي عن الجاحظ أن حاكمًا من حكام العرب في الجاهلية يُدعى عامر بن الظَّرِب العدواني، أوصى ابنته بأن تنبّهه بقرع العصا إذا أخطأ في الحكم أو جار عن الصواب.
واستُخدمت العصا في عصور مختلفة رمزًا للسلطة والوجاهة، حتى أصبح حملها من مظاهر الهيبة والمكانة الاجتماعية.
كما ارتبطت في بيئات البادية بمعاني الشجاعة والرجولة، واستُخدمها الإنسان الأول وسيلةً للدفاع عن النفس ومواجهة الأخطار، ثم امتدت وظائفها لتشمل جوانب أخرى من حياة الإنسان.
ففي مدينة بريستول في إنجلترا سنة 1920م، تعرض المصور جيمس بيغز لحادث فقد على إثره بصره، وكان عليه أن يتعايش مع حالته الجديدة.
وأصبح ينتابه الفزع أثناء السير في الطرقات، وفي عام 1921م قام بطلاء عصاه باللون الأبيض، فشعر بانتباه قائدي السيارات إليه، والحرص على مساعدته للسير بأمان.
ومن هنا اقترح جورج بونهام، رئيس نادي الليونز في مدينة بيوريا بولاية إلينوي الأمريكية عام 1930م، تطوير العصا البيضاء بإضافة طرف أحمر لتمييز المكفوفين.
ثم جاءت غيلي ديربمون عام 1931م، وأطلقت مبادرة وطنية لنشر استخدام العصا البيضاء في فرنسا لمساعدة المكفوفين بعد حرب العالمية الأولى، حتى انتشرت الفكرة وأصبحت عالمية، وتميز يوم 15 من أكتوبر مناسبةً لرفع وعي المجتمع باحتياجات المكفوفين، وتعزيز استقلالهم، والحد من اعتمادهم على الآخرين، وتمكينهم من الاندماج في المجتمع.
فأصبحت العصا البيضاء بمختلف أنواعها وسيلةً تساعدهم على استكشاف الطريق وموازنة خطواتهم.

المكفوفون أناسٌ يمتلكون طاقاتٍ هائلة، وعتمة أبصارهم لا تلغي بصيرتهم القلبية، وما العصا إلا رفيقةٌ تحوًل خطواتهم إلى عنوانِِ للثقة والشجاعة.
وفي الختام، بعد أن تأملنا بعضََا من مآرب العصا، يبقى السؤال: مالذي تمتلكه أنت؟ وكيف توجّه استخدام ما تمتلكه؟ أهي وسيلة للمساندة، أم قد تكون مصدرا لذكرى مؤلمة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى