هل تهزمنا الذكريات؟

بقلم / امل بازيد  

سألني أحدهم: «ما أكثر ما يهزم الإنسان بعد التخطّي؟». توقفت لبرهة أفكّر، لكنه سبقني بالإجابة: «الذكريات». أدهشتني إجابته، وبقيت أتأمل كيف يستطيع ما انتهى في حياتنا أن يحتفظ بقدرته على إيلامنا، وكيف تعيدنا لحظة عابرة إلى مشاعر بذلنا جهدًا طويلًا لنستعيد توازننا بعدها.

نستأنف أعمالنا، ونخطط للغد، ثم نصادف مكانًا أو نسمع عبارة، فيستيقظ ما ظنناه هدأ. تعود التفاصيل بأسئلتها القديمة، ويضاف إليها سؤال أشد وطأة: ألم نتجاوز كل هذا؟

نحمل أحيانًا تصوّرًا قاسيًا عن التخطّي؛ ننتظر من أنفسنا ألّا نحزن أو نشتاق، وحين تربكنا ذكرى، نشكّ في كل خطوة قطعناها. ننسى أيامًا استعدنا فيها هدوءنا، وقرارات حافظنا عليها، ثم نختصر مسيرة كاملة في لحظة حزن.

غير أن عودة الشعور لا تعني عودتنا إلى الموضع نفسه. قد تؤلمنا ذكرى، ومع ذلك نعرف أن قرارنا كان صائبًا. وقد نفتقد حديثًا أو حضورًا، دون أن نرغب في استعادة التجربة بكل ما حملته. وبين الحنين والاستجابة له مسافة يتجلّى فيها ما تعلّمناه عن أنفسنا.

فالذاكرة قد تستحضر كلمة حانية، وتغفل ليالي الانتظار؛ تستعيد لحظة قرب، وتترك ما أعقبها من خذلان. ومن الإنصاف أن نرى الحكاية كاملة، فنحفظ لما كان جميلًا مكانه، دون أن نمحو الأسباب التي جعلت الاستمرار مؤلمًا.

وأحيانًا نشتاق إلى أنفسنا في تلك المرحلة؛ إلى ثقة كانت أوسع، وعفوية لم تكن تخشى العواقب، ومستقبل رسمناه بطمأنينة. فنحن نودّع مع التجربة احتمالات عشنا ننتظرها، وصورة للحياة احتجنا وقتًا لنتقبّل أنها لن تتحقق كما تخيّلنا.

ويزداد التعب حين نطلب من كل ذكرى تفسيرًا، كأن إجابة أخيرة ستمنحنا الراحة كاملة. لكن بعض النهايات تبقى ناقصة الشرح، ويأتي وقت نمنح فيه حياتنا فرصة للاستمرار، ولو بقي في الحكاية ما لم نفهمه.

لا يحدث ذلك بإنكار الألم أو استعجال النسيان، وإنما ببناء حاضر يستحق اهتمامنا؛ عمل ننجزه، وعلاقة آمنة، ووقت نسترده لأنفسنا. ومع اتساع هذا الحاضر، يأخذ الماضي حجمه بين سائر ما عشناه.

لهذا لم أستطع أن أجعل إجابة ذلك الشخص حكمًا نهائيًا. فالذكريات قد تثقل مساءً ظنناه هادئًا، ثم نستيقظ ونواصل ما بدأناه. وهذه القدرة تستحق أن نراها، وأن نثق بما تدلّ عليه.

همسة أمل

إذا عادت الذكرى، فلا تُسقط من حسابك كل ما قطعته. تقبّل حضورها، وعِش ما تثيره من مشاعر دون لوم، ودعها تمضي برفق. وإن طال بقاؤها، فلا تستعجل نفسك؛ عُد إلى يومك بما تستطيع. فقد يبقى للماضي أثر، وتبقى لك القدرة على مواصلة حياتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى