كيف ننجو من الغرق؟

كنت في حوار مع أحدهم حين سألني: «كيف ينجو الإنسان من الغرق؟». سألته: «أيّ غرق تقصد؟». فقال: «حين يستغرقه الحزن لفقد عزيز، أو خذلان رفيق، أو صدمة من قريب، حتى يشعر بالخدر، وتفقد الأشياء معناها في عينيه… ما الذي يعينه على النجاة؟».
بقي سؤاله معي؛ فثمة غرق يحدث والإنسان بين الناس، يؤدي عمله ويجيب عمّن يسأله، فيما يشعر أن صلته بالحياة تضعف. تمرّ به الأشياء التي كانت تبهجه دون أن توقظ فيه فرحًا، وتتوالى أيامه متشابهة، ينجز فيها واجباته وينتظر انقضاءها.
وقد يبلغ به الوجع حالة من الفتور يعجز معها عن وصف ما يشعر به؛ فلا تسعفه الدموع، ولا يمنحه الصمت راحة. يبدو متماسكًا لمن يراه، بينما يبذل جهدًا خفيًا لمواصلة أبسط شؤون يومه. ولهذا قد نخطئ حين نحسب انقطاع حديثه عن ألمه دليلًا على تجاوزه.
من يكابد هذا الغرق يحتاج إلى طوق نجاة قبل أن يحتاج إلى درس في السباحة. قد يعرف ما ينبغي فعله، لكن المحاولات السابقة ربما استنزفت قدرته على البدء من جديد. وحين نطالبه بالنسيان أو نستعجل عودته إلى سابق عهده، قد نضيف إلى ألمه شعورًا بالتقصير. أما الإصغاء إليه وسؤاله عمّا يحتاج، فيمنحانه فرصة للتعبير عن تعبه دون أن يضطر إلى تبريره.
ومع قيمة المساندة، تأتي لحظة يدرك فيها الإنسان أن له دورًا في نجاة نفسه؛ فالآخرون يستطيعون مؤازرته، لكنهم لا يستطيعون خوض رحلة التعافي نيابة عنه. وهذا الإدراك يعيد توجيه نظره إلى ما يمكنه فعله، بدل أن يبقى مستغرقًا فيما حدث. وقد تكون بدايته متواضعة: أن يبوح بحاجته، أو يقبل المساعدة، أو يستأنف أمرًا انقطع عنه.
وتحتاج هذه البداية إلى رفق؛ فمحاكمة النفس على حزنها تزيد الطريق مشقة. وفي قول يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ما يذكّرنا بأن الإيمان يتسع للحزن، وأن في مناجاة الله ملاذًا حين يثقل على القلب ما يحمل.
ثم يأخذ الرفق بالنفس صورًا عملية؛ عناية بالطعام والراحة، وتواصل مع شخص يأتمنه، وعودة متدرجة إلى شؤون يومه. وإذا استمر الخدر أو أعاق حياته، فقد تعينه الاستعانة بمختص على فهم ما يمر به واستعادة توازنه. وقد يأتي يوم ثقيل بعد آخر أخفّ، دون أن يعني ذلك ضياع ما أحرزه.
وقد ينجو الإنسان من الغرق وتبقى صورة البحر في عينيه؛ يتذكر، ويتأثر، ويستيقظ بعض حزنه في مناسبة أو مكان. بقاء الأثر لا يلغي التعافي. يستطيع أن يحتفظ بمحبة من فقد، وأن يفرح دون شعور بالذنب، وأن يستعيد ثقته بعد الخذلان مستعينًا بما تعلّمه من تجربته.
ولعل النجاة تتضح في لحظة بسيطة: أن يضحك من قلبه، أو يتطلع إلى لقاء، أو يضع خطة للغد، ثم ينتبه إلى أن الحياة بدأت تستعيد مكانها فيه. عندها يدرك أن ما حدث ما زال جزءًا من حكايته، لكنه لم يعد الحكاية كلها.
همسة أمل
ارفق بنفسك وأنت تحاول، واقبل اليد التي تساندك، وابدأ بما تستطيع. لست مطالبًا بأن تستعيد عافيتك دفعة واحدة؛ امنح تعبك حقه من الرعاية، وأيامك فرصة أن تحمل لك ما يطمئنك. قد لا ترى الشاطئ اليوم، لكنك تستحق الوصول إليه