مبارك البوادي يكتب لـ”درة” | خبراء آخر الزمن

بقلم/ مبارك البوادي  

في زماننا الجميل، لم يعد الإنسان بحاجة إلى دراسة الطب سبع سنوات، ولا إلى شهادة في الإعلام أو الهندسة أو الاقتصاد. كل ما يحتاجه هو أن يجلس في مجلس، أو يفتح مجموعة واتساب، ثم يعلن نفسه خبيراً معتمداً في جميع التخصصات!
يكفي أن تقول: “والله فيني دوخة بسيطة”، حتى يتحول من حولك إلى كتيبة استشارية متكاملة. واحد يشخص الحالة بأنها نقص حديد، والثاني يؤكد أنها من السهر، والثالث مقتنع أنها عين، والرابع يرى أنها بسبب الجوال، والخامس يوصيك بشرب خليط لا يعرف مكوناته إلا هو وعمته.
وإذا قلت: “أفكر أكتب مقالاً في الجريدة”، فهنا تبدأ مرحلة أكثر خطورة. فجأة يظهر خبراء الصحافة والإعلام والتحرير والتدقيق اللغوي. هذا يعدل العنوان، وذاك يحذف المقدمة، وثالث يغير الفكرة كلها حتى يصبح المقال عن موضوع آخر لا علاقة له بما أردت كتابته أصلاً!
العجيب أن أحداً لا يقول: “والله ما أعرف”. هذه الجملة تكاد تكون من الكلمات المهددة بالانقراض. الجميع يعرف، والجميع يفهم، والجميع لديه رأي، بل وبعضهم لديه رأيان احتياطاً إذا احتجت المزيد من الخبرة!
ولو أعلنت أنك ستزرع شجرة في حوش البيت، لظهر لك خبير زراعي، ومهندس ري، ومستشار بيئي، وشخص يؤكد أن جده زرع شجرة قبل أربعين سنة ويجب أن تسير على خطاه حرفياً.
أما إذا اشتريت سيارة جديدة، فاستعد لمحاضرات مجانية عن الزيت والإطارات والمحرك واستهلاك الوقود، وكأنك دخلت مؤتمراً عالمياً لصناعة السيارات.
ومع كل ذلك، تبقى هذه الظاهرة من الأشياء اللطيفة في مجتمعنا. فالناس في الغالب لا يقصدون إلا المساعدة، لكن حماسهم أحياناً يسبق معرفتهم، فتتحول النصيحة الواحدة إلى مهرجان آراء مفتوح.
لذلك إذا شعرت بدوخة، أو أردت كتابة مقال، أو حتى فكرت في تغيير لون باب منزلك، فخذ نفساً عميقاً واستعد لاستقبال عشرات الخبراء. فالعالم مليء بالأطباء والإعلاميين والمهندسين والمستشارين… لكنهم جميعاً يعملون في تخصص واحد فقط: “خبير في كل شيء”!

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى