وفاء عمر بن صدّيق تكتب لـ”درة” قصة قصيرة بعنوان “لفيف “

بقلم/ وفاء عمر بن صدّيق  

يطوف العالم، يحمل حقيبته؛ باحثًا عن أحلامه المبدّدة. وصل اليوم إلى لندن وعند عتبتها ارتدى معطفًا يتماهى مع هويته، فهو آرثر الذي يعشق لعبة الهوكي التي لم يلعبها قط… قبل أسبوع تجوّل في واشنطن باسم جورج هتف بشعاراتٍ غير مصدقٍ بها…أما قبل شهر، فقد كان يوناس صاحب دار نشر وهمية في ميونيخ.
تعدّدت الأسماء والأمكنة…لكنه يعلم يقينًا بأنه صادق ذلك الصبي الذي يركض حافيًّا في أزقة قريته الساحلية. يصنع زوارقه الورقية، يسبح خلفها، يمسكها، ثم يُعِيدها معه إلى المنزل…إلّا ذاك الزورق الصغير الذي حيّره كثيرًا، فكلّما اقترب منه، ابتعد، أبحر بعيدًا حتى اختفى عن ناظريه، حاول يائسًا اللحاق به، تعثر، سقط، اتسخ بالوحل، بكى بحرقة متجرعًا مرارة الخيبة، سمعت والدته نشيجه، هرعت إليه، انتشلته، ربتَتْ على كتفه هامسة:
-بعض الأشياء خُلِقت للهروب…لا نستطيع الإمساك بها مهما طاردناها.
لم يفهم كلماتها، لكنه حفظها كتعويذة يرددها كلما خسر حلمًا في إحدى المدن البعيدة.
اعتاد على هذه الحياة، أصبح كلُّ شيء فيه قابلًا للتغيير: لون عينيه، صبغة شعره، نبرة صوته، أفكاره، وحتى معتقداته.
في المساء الأخير، دلف إلى غرفة القبو المثقلة برائحة الرطوبة، انبثقت من الجدران العفنة أصوات تناديه بأسمائه العديدة، طَرْقٌ على الباب يصاحبه صوت والدته صارخًا باسمه صادق دبّ الذعر داخله، ارتعدت فرائصه، هرع إلى المرآة، أبصر جسدًا خُلق من رفات تاريخ مجهول، حدّق، حملق، لم يرَ وجهه، تزلزلت الأرض أسفله، وقع، لم يقوَ على النهوض، زحف على بطنه إلى الحقيبة الملقاة عند فراشه، نظر إلى داخلها، وجد زورقه اللعين يشير إليه ساخرًا.بقلم/ وفاء عمر بن صدّيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى