ماذا لو؟

ماذا لو حدث ما تريده وتسعى إليه؟
ماذا لو حققت حلمك؟
وماذا بعد ذلك؟
كان هذا سؤالي في أحد برامج التواصل، وكنت أريد أن أرى إجابات الناس. لفتني أن أغلب الإجابات كانت تدور حول الرضا، والامتنان، والشكر لله عند تحقق ما تمنوه.
وهنا تبادر إلى ذهني سؤال آخر:
هل نحن غير ممتنين الآن؟
هل نحتاج إلى الحصول على ما نريد حتى نشعر بالرضا والامتنان؟
ربما اعتدنا أن نؤجل سعادتنا إلى المستقبل:
عندما أصل إلى هدفي سأكون سعيدًا.
عندما تنتهي مشكلتي سأرتاح.
عندما يتحقق ما أريد سأشكر الله.
وكأن السعادة وُضعت في نهاية الطريق، ولا يحق لنا أن نشعر بها قبل أن نصل.
لكن ماذا لو كانت السعادة تستطيع أن ترافقنا في الطريق؟
نحن لا نصل إلى أهدافنا بقفزة واحدة، وإنما بخطوات كثيرة؛ بعضها كبير، وأكثرها صغير.
في الطريق انتصارات قد لا نلتفت إليها: خطوة أنجزناها، محاولة نجحنا فيها، خوف تجاوزناه، وعادة استطعنا أن نلتزم بها.
وفي الطريق أيضًا إخفاقات كثيرة، نخطئ، نتراجع، نشعر بالإحباط، ثم ننهض ونحاول من جديد، وقد نظن أن هذه اللحظات أبعدتنا عن هدفنا، بينما هي في الحقيقة كانت تضيف إلينا. فالإخفاق يعلمنا، والتعثر يكشف لنا ما نحتاج إلى تغييره، والإصرار يبني فينا قوة، والمحاولات تصقل شخصياتنا، والتجارب تغير طريقة تفكيرنا.نحن لا نصل إلى الهدف بالشخص نفسه الذي بدأ الطريق.
الطريق يصنعنا.
ولهذا يقول الله تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾
[النجم: 39–40]تذكرنا الآية بقيمة سعي الإنسان وعمله، وأن سعيه محفوظ وله جزاؤه عند الله.
قد لا نملك النتيجة كاملة، لكننا نملك السعي إليها، نستطيع أن نحاول، ونتعلم، ونصحح، وننهض، ونستمر.
أما النتيجة، فقد تأتي بالصورة التي تمنيناها، أو بصورة مختلفة، أو بعد وقت لم نتوقعه.
وهنا يكمن الكنز.
الكنز ليس دائمًا في نهاية الرحلة، قد يكون في الطريق نفسه؛ في المرات التي تعثرنا فيها ثم نهضنا، وفي النسخة الجديدة من أنفسنا التي صنعتها هذه الرحلة.
وكم من تغيير حدث فينا لأن الطريق لم يكن سهلًا؟
ولهذا، كما نحمد الله عندما نصل، يجدر بنا أن نحمده ونحن نسعى، نحمده على النعم الموجودة الآن، وعلى الفرص، وعلى القدرة على المحاولة، وعلى كل خطوة استطعنا أن نقوم بها.
وهنا أتذكر قول الله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[القصص: 77]في الآية تذكير بأن غايتنا الأسمى هي ابتغاء الدار الآخرة وطلب ما عند الله، ومع ذلك يقول سبحانه:
﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
فبينما نسعى لما يرضي الله، لا ينبغي أن ننسى حياتنا، ولا النعم التي نعيشها، ولا اللحظات التي منحنا الله إياها.
لا تجعل كل فرحتك مؤجلة إلى يوم الوصول.
افرح واستمتع بما تستطيع الاستمتاع به اليوم.
قدّر من يرافقونك في الطريق.
عش لحظتك بدل أن تقضي عمرك كله في انتظار لحظة أخرى.
اسعَ، وخذ بالأسباب، واطلب ما تتمنى، لكن لا تجعل سعادتك مشروطة بتحققه.
فالوصول جميل، ولا أحد ينكر فرحته.
لكن الوصول لحظة، بينما الرحلة أيام وشهور وربما سنوات.
فماذا لو قضينا كل هذه السنوات ننتظر لحظة واحدة حتى نشعر بالسعادة؟
وماذا بعد أن تنتهي؟
نبحث مباشرة عن هدف آخر، ونضع سعادتنا مرة أخرى في نهاية طريق جديد؟
أم نعيش الرحلة؟
فالسعادة ليست مكافأة نصل إليها في نهاية الطريق،
بل هي رفيقة الطريق.
ماذا لو تعلمنا أن نكون راضين ونحن نسعى، ممتنين ونحن ننتظر، سعداء ومطمئنين إلى أن لكل سعي قيمة؟
وعندما نصل، نحمد الله على الوصول…
ثم نبدأ رحلة جديدة.
لكن هذه المرة، لن نركض بحثًا عن السعادة في نهاية الطريق.
بل سنعيشها في الطريق نفسه.