التنمّر المدرسي ليس مزحة.. ! عندما تتحول المدرسة من مكان للتعلم إلى مكان قلق وخوف !؟

من قلب الأسرة
أخصائية صحة نفسية أسرية وتربوية
«ماما… ما بدي روح عالمدرسة.»
قد تبدو هذه الجملة في البداية عنادًا أو رفضا أو محاولة للهروب من الدراسة.
لكن أحيانًا يكون وراءها طفل يخاف من شيء لا يعرف كيف يتكلم و يعبر عنه و عن الألم و الوجع الذي يشعر به .
قد يكون هناك طفل يضحك عليه زملاؤه، أو يسخرون من شكله أو لهجته أو مستواه الدراسي، أو يستبعدونه من اللعب، أو يهددونه، أو يضايقونه عبر الهاتف ووسائل التواصل.
والأخطر؟ أن بعض الأطفال يتألمون بصمت… لأنهم يخافون أن يتكلموا.
لماذا يتنمّر بعض الأطفال؟
التنمّر لا يأتي دائمًا من طفل «شرير»، كما قد نعتقد.
أحيانًا يكون وراء السلوك حاجة للسيطرة، أو رغبة في لفت الانتباه، أو محاولة لإثبات القوة أمام الآخرين. أو محاولة لإثبات الذات لانه هو أيضا كان ضحية للتنمر .
وقد يتعلم الطفل التنمر من البيئة المحيطة به، أو من أسلوب تعامل يتكرر أمامه، أو من محتوى يشاهده، أو من عدم وجود حدود واضحة لسلوكه.
وفي بعض الحالات، قد يكون الطفل نفسه يعاني من مشكلات عاطفية أو أسرية أو سلوكية تحتاج إلى فهم وعلاج.
لكن فهم السبب لا يعني تبرير التنمر.
فالطفل المتنمّر يحتاج إلى حدود واضحة، وتحمل مسؤولية سلوكه، وتعليم بدائل صحية للتعامل مع الآخرين.
وماذا يحدث للطفل الذي يتعرّض للتنمّر؟
ليس كل طفل يستطيع أن يقول: «أنا أتعرض للتنمر».
لذلك قد تظهر المعاناة على شكل:
رفض الذهاب إلى المدرسة.
انخفاض مفاجئ في المستوى الدراسي.
تراجع التركيز والانتباه.
صداع أو ألم في البطن دون سبب طبي واضح.
اضطرابات في النوم.
عصبية أو بكاء متكرر.
الانسحاب من الأصدقاء والأنشطة.
فقدان الثقة بالنفس.
الخوف من الحديث عن المدرسة.
تغيّر واضح في شخصيته أو عاداته.
وهنا يجب أن نتوقف.
التغيّر المفاجئ في سلوك الطفل ليس دائمًا «دلعًا» أو «عنادًا»… أحيانًا هو رسالة استغاثة.
ماذا يفعل الأهل؟
أول خطوة ليست أن نقول:
«دافع عن حالك!»
أو «لا تهتم لهم!»
أو «ليش ما رديت عليه؟»
بل أن نمنح الطفل مساحة آمنة للكلام.
قولي له:
«أنا مصدقتك، وإنت مش غلطان لأن حدا اختار يضايقك.»
ثم اسأليه بهدوء:
من الذي يفعل ذلك؟ ماذا يحدث؟ أين يحدث؟ منذ متى؟ وهل يوجد أطفال آخرون يشاهدون أو يشاركون؟ و اذا حسيتوا انو هو مش قادر يعبر عن وجعه لكم لا تجبره على الكلام و الأفضل وقتها طلب المساعدة من متخصص .
لا تذهبوا مباشرة لمواجهة الطفل المتنمّر أو أهله.
الأفضل توثيق ما يحدث والتواصل مع المدرسة بطريقة هادئة وواضحة.
والأهم: لا تجعلوا الطفل يشعر أنه مسؤول وحده عن حل المشكلة.
ودور المدرسة؟
المدرسة ليست مكانًا للتعليم الأكاديمي فقط، بل بيئة يجب أن يشعر فيها الطفل بالأمان.
وعندما تصل شكوى تنمر، يجب ألا تكون الاستجابة:
«الأطفال عم يمزحوا يلعبوا مع بعض لا تكبروا القصة ..»
أو « الموضوع بسيط مش مثل ما انت متصور .»
بل يجب:
الاستماع للطفل بعيدًا عن الآخرين.
التحقق من الوقائع دون إحراجه.
حماية الطفل من استمرار الأذى.
مراقبة الأماكن التي يحدث فيها التنمر.
التواصل مع الأهل.
وضع خطة واضحة للتعامل مع الطفل المتنمّر.
متابعة الطفل المتضرر بعد انتهاء المشكلة، وليس فقط في يوم الشكوى.
فالهدف ليس معاقبة الطفل المتنمّر فقط، بل إيقاف السلوك وتعليم الطفل كيف يتعامل بطريقة صحيحة.
ومتى نحتاج إلى تدخل متخصص؟
إذا استمر الخوف، أو ظهرت أعراض نفسية واضحة، أو تراجع الطفل دراسيًا واجتماعيًا، أو أصبح يرفض المدرسة، أو ظهرت لديه أفكار مؤذية تجاه نفسه، فهنا لا يكفي أن نقول له «كن قويًا».
يحتاج الطفل إلى تقييم نفسي مناسب ودعم علاجي متخصص، بالتعاون بين الأسرة والمدرسة والمختص.
رسالة لكل أب وأم
لا تنتظروا أن يصبح طفلكم قادرًا على الدفاع عن نفسه حتى تستمعوا إليه.
أحيانًا الطفل لا يقول:
«أنا أتعرض للتنمر.»
بل يقول:
«بطني توجعني.»
«ما بدي روح عالمدرسة.»
«ما حدا بيحبني.»
«أنا غبي.»
وهذه الجمل تستحق أن نسمع ما وراءها.
همسة تربوية
لا تعلّموا الطفل فقط كيف يرد على المتنمّر… علّموه أولًا أن قيمته لا يحددها كلام الآخرين.
فالمدرسة الآمنة ليست المدرسة التي تخلو من المشكلات،
بل المدرسة التي لا تسمح للطفل أن يواجه مشكلته وحده.
لأن وراء كل سلوك قصة… تستحق أن نفهمها قبل أن نحكم عليها.