التحديات التي تواجه العلوم الاجتماعية

بقلم/ رائد محمد شهاب  

تواجه العلوم الاجتماعية والإنسانية في أجزاء كثيرة من أوروبا صعوبات بالغة منذ عقود، سواء على مستوى التعليم الثانوي أو العالي، أو فيما يتعلق بآفاق المسار المهني المستدام، أو نمو الفرص البحثية. ويُعد نقص التمويل المزمن وهو اتجاه شائع في العديد من الدول الأوروبية عاملاً رئيسياً يغذي هذه التطورات. ويأتي هذا في ظل تزايد التوجه العالمي نحو مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) على حساب المناهج الدراسية المرتبطة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، نظراً لقدرة الأولى على تلبية متطلبات النمو الاقتصادي واحتياجات سوق العمل بشكل أفضل. وفي كثير من البلدان، يؤدي هذا إلى تراجع حوافز الطلاب للالتحاق بهذه التخصصات، ناهيك عن السعي نحو مسيرة مهنية أكاديمية فيها. أما في دول وسط وجنوب شرق أوروبا، فقد أدى ذلك إلى تفاقم ظاهرة الهجرة الأكاديمية، إذ يجد الباحثون المتميزون في هذه المجالات دافعاً أقل أو فرصاً غير كافية لتطوير مسيرتهم المهنية في أوطانهم. ونتيجة لذلك، تتدهور الجودة العامة للبيئات الأكاديمية المحلية، مع تناقص عدد المتخصصين القادرين على الإسهام في تطويرها. إنها حلقة مفرغة بكل المقاييس، نقص التمويل وبيئة بحثية محبطة يؤديان إلى تراجع الدافعية وزيادة الهجرة، مما ينعكس سلباً على جودة المخرجات الأكاديمية، وهو ما يقود بدوره إلى مزيد من نقص التمويل وضعف الحوافز لمواصلة المسار الأكاديمي. باختصار، تواجه العلوم الاجتماعية والإنسانية تحدياً معقداً، قد يكون التغلب عليه عاملاً حاسماً لضمان ازدهارها على المدى المتوسط والبعيد.

فأعتقد أنه من الضروري تسليط الضوء على نشأة “العلوم الاجتماعي” لإدارة المدن في تاريخ الولايات المتحدة. فقد تعامل الباحثون مع مدينة شيكاغو التي شهدت تصنيعاً سريعاً ونمواً سكانياً هائلاً، حيث ارتفع عدد سكانها من 110 آلاف نسمة عام 1860 إلى أكثر من مليوني نسمة بحلول عام 1910 باعتبارها مختبراً اجتماعياً حياً.

ولذلك نشأت “مدرسة شيكاغو” في علم الاجتماع داخل جامعة شيكاغو، التي أسست أول قسم مستقل لعلم الاجتماع في العالم عام 1892 تحت إشراف ألبيون سمول. وقد بلغت هذه المدرسة عصرها الذهبي في الفترة ما بين عامي 1915 و1935 تقريباً، حيث حوّلت علم الاجتماع من تخصص فلسفي نظري يُمارس من خلف المكاتب إلى علم تجريبي قائم على العمل الميداني.

طبّق باحثون مثل روبرت إي. بارك، وإرنست دبليو. بورغيس، ورودريك دي. ماكنزي مفاهيم علم البيئة البيولوجية على المدن، مؤكدين أن السلوك البشري والجماعات الاجتماعية تتكيف مع الفضاء الحضري من خلال التنافس والتوسع والتعاقب. وقد طوّر بورغيس نموذج المناطق المتمركزة، موضحاً كيف تتوسع المدن للخارج في حلقات من منطقة الأعمال المركزية إلى مناطق انتقالية متميزة، ومساكن الطبقة العاملة، والضواحي.

عرّف لويس ويرث المدينة الحديثة في مقالته عام 1938 بثلاثة متغيرات أساسية: حجم السكان، والكثافة السكانية، والتنوع الاجتماعي، موضحًا كيف أدت هذه السمات إلى تجريد الروابط الاجتماعية من طابعها الشخصي وإعادة تشكيل النفس البشرية.

ابتكر الباحثون أدوات تجريبية وإثنوغرافية، تجمع بين رسم الخرائط الإحصائية، وبيانات التعداد السكاني، ودراسات الحالة الحياتية، والملاحظة الميدانية المباشرة لتتبع الفقر، والجريمة، واندماج المهاجرين وغيرها من عوامل أخرى.

إذا أمعنا النظر، نلاحظ سرعة الولايات المتحدة في صعودها المذهل والكاسح، وهيمنتها على أضلاع المثلث الثلاثة مقارنة بالقارة الأوروبية، وهي:

* القاعدة المعرفية

* الصناعة بشتى مجالاتها – وعلى رأسها التقنيات الزراعية المتقدمة

* القوة العسكرية الوطنية

وفي اعتقادي، من الممكن دراسة حالة “مدرسة شيكاغو” في التخطيط الحضري والاجتماعي وإسقاطها على الشأن المحلي عبر تطبيقها في إحدى جامعاتنا الوطنية. ولكن يظل هناك تحدٍ قائم يتمثل في “القاعدة المعرفية” التي لا نزال في بداية الطريق لتوطينها. إن التوسع والسرعة في استيعاب العلوم المتخصصة أصبحا أمراً ضرورياً، مما قد يستلزم صناعة فئات نخبويّة من أبناء الوطن في هذه المجالات، وتقديم الرعاية والمساندة الكاملة لهم لكسب رهان الوقت، بهدف تحديث المدن المستدامة القائمة، وسن خطط مستقبلية للربط بمدن صديقة للبيئة.

هذا الاحتضان للمبدعين حدث ويحدث في كثير من دول العالم؛ كالصين التي تحتفل بصور علمائها في الشوارع العامة تقديراً لدورهم في بناء أعجوبة القرن الحديث “التنين الصيني”، أو كشركات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة التي توفر بيئة ومناخاً استثنائياً من أجل توليد الابتكارات الثمينة.”

المصادر:

* The Chicago School of Sociology, By AI Overview

* Key Contributions of the Chicago School, By AI Overview

* Challenges Facing the Future of Social Sciences & Humanities, By. The Center for Advanced Study Sofia (CAS), Duration 2019 – 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى