محاولات المساس بالمملكة

بقلم/ زهور كياري  

وصل الراعي إلى المدينة وهو يلهث، وعصاه ترتجف في يده، قال وهو يشير نحو الوادي: (رأيت قومًا لا يُحصون، نزلوا خلف التِلال، ومعهم نبي يقودهم)
ارتجّت المدينة، وصعد الرجال إلى أسوار الملك وقلوبهم تخفق، أدرك ملك المدينة أن ما يملكه من أسلحة وعتاد عسكري لن يمكّنه من هزيمة قوم حققوا انتصارات متتالية، وهم مستمسكون بأمر الله وتغمرهم معيته.
حينها قال بصوت خفيض: (سنحاربهم بسلاح لا ترده الجبال ولا تصده الجيوش. اذهبوا إلى رجل فوق الجبل، وخذوا معكم ما يغري القلوب من المال والذهب والفضة ليكون من خاصتي ويدعو عليهم).

وقد أشار القرآن إلى هذا الرجل بقوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾. الأعراف 175
واختلفت الروايات في تعيين شخصية هذا الرجل، إلا أن بعض كتب التفسير تذكر أنه بلعام بن باعوراء، وكان عبدا صالحا، وقد آتاه الله من العلم والحكمة، وذاع صيته بين قومه باستجابة دعائه، حتى كانوا يقصدونه بهمومهم ليدعو لهم.

وبين بريق المال وجاه السلطان بدأت نفسه تواجه اختبارًا لم تكن تظن أنها ستضعف أمامه، حتى مالت إلى الاستجابة لطلب الملك بالدعاء عليهم، وانطلق بلعام محاولًا الدعاء على موسى وقومه، إلا أن الأمر لم يجرِ على ما أراد، فانقلب دعاؤه على مدينته وسُلب منه ما كان عليه من نعمة، ولم يكتفِ بذلك، بل حاول أن يكون منفذًا لاختراق صفهم، باستدراجهم بزينة الدنيا حتى يوقعهم في معصية تؤدي إلى تفككهم.
وهكذا، فإن القلب الذي حمل نور الإيمان أصابه شق الهوى، فتسرّب منه ما كان يملؤه من نور، واللسان الذي أُكرم باستجابة الدعاء تحوّل إلى سهم مكرِو فتنة بعدما أراد صاحبه أن يوجّهه نحو قوم لم تستطع أسلحة الملك أن تنال منهم.

ومن هنا نقف ونتساءل: ما الذي يمنح الأمم منعة داخلية تجعل القوة المادية والعتاد العسكري عاجزين عن النيل منها؟

إن الأمم التي تستنزف طاقاتها في الصراعات والنزاعات الداخلية، ويتحول الاختلاف بين مكوناتها إلى التعصب والخصومة، تصبح أكثر عرضة للتصدع، وحين تتحول مغريات الفتن إلى أدوات لاستمالة النفوس تصبح أكثر قابلية للاختراق والتفكك، وتآكل روابط الأخوة بين أفرادها، وحين تتفرق القلوب وتتراجع الثقة وتتقدم التحيزات الفردية على المصلحة العامة، لا تعود القوة المادية وحدها كافية لحماية بنيان الأمة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾. الأنفال: 46

وفي المقابل، تبدأ منعة الأمم من تمسكها بأمر الله، واجتماع كلمتها، وتماسك نسيجها الاجتماعي بروابط الأخوة الإسلامية، وإقامة العدل بين مكوناتها، واحترام التنوع والاختلاف، وتقديم المصالح المشتركة على النزعات الفردية. فهذه المقومات لا تحفظ وحدة الصف فحسب، بل تعزز الثقة المتبادلة، وترسخ الروابط بين أفراد المجتمع ومؤسساته، وتدعم قدرته على مواجهة محاولات التفكيك والاختراق.

ولعل هذا يقودنا إلى السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يجعل المملكة العربية السعودية راسخة أمام محاولات المساس بها؟
إن المملكة العربية السعودية، بما حباها الله به من شرف احتضان الحرمين الشريفين اللذين يتجه إليهما المسلمون من مختلف أنحاء العالم، واتصالها بوجدان الأمة الإسلامية التي تجمعها روابط أخوة تتجاوز اختلاف الأوطان والأعراق، تحظى بمكانة تتجاوز حدودها الجغرافية.

ولا تقف دوائر هذا الامتداد عند مكانتها في وجدان الأمة الإسلامية، بل تمتد إلى بنيانها الداخلي، حيث يجتمع المواطنون والمقيمون على أرضها في إطار من الروابط الاجتماعية التي تجعل المحافظة على أمنها واستقرارها مسؤولية تتصل بكل من يعيش على أرضها ويسهم في بنائها.

كما تتصل المملكة بعمقها العربي والإسلامي، وترتبط بدول العالم بعلاقات ومصالح مشتركة، تجعل أمنها واستقرارها من المصالح التي تتقاطع فيها مسؤوليات الدول وشعوبها.
فالمملكة ليست كيانًا منعزلًا تُستهدف أجزاؤه بمعزل عن محيطها، بل بنيان تتشابك روابطه وتتساند دوائره، حتى يغدو المساس بها مواجهة مع منظومة متكاملة من التماسك والتعاضد.

ومن هنا، فإن محاولات المساس بالمملكة أو الاعتداء عليها، مهما تعددت صورها، لا تواجه قوة عسكرية ومكانية فحسب، بل تصطدم ببنيان تتساند مكوناته، وتتضافر فيه روابطه الداخلية وامتداداته العربية والإسلامية والدولية. فالمساس بها ليس استهدافًا لكيان منفرد، بل اقتراب من منظومة مترابطة تتشابك فيها دوائر الانتماء والتحالفات.

وهنا يعود السؤال إلى: ما الغاية من المساس بمملكةِ يستند بنيانها إلى روابط الإيمان والأخوة والتراحم؟
ولعل من أعظم ما نستحضره في الدعاء بأمن الأوطان دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. البقرة:126
فما أحوجنا إلى أن نحفظ وحدتنا ونصون روابطنا؛ فالأمم لا تُهزم من خارجها ما دامت متمسكة بأمر الله من داخلها.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها أمنها وأمانها، واحفظ أهلها ومن يقيم على أرضها، واجعلها واحة أمن واستقرار، واحفظ سائر بلاد المسلمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى