هل نجد ما تركناه بالأمس؟

بقلم/ أمل بازيد  

قد نقطع المسافات إلى مكان اشتقنا إليه، ثم نصل فنجد أن شيئًا في داخلنا ما زال بعيدًا. نعرف الطريق، ونتذكّر الأبواب، ونستدلّ على البيت دون سؤال، لكن الشعور الذي انتظرناه طوال الرحلة لا يستقبلنا عند الوصول. كأن الحنين وعدنا بما يتجاوز قدرة المكان على الوفاء.

حكى لي أحدهم أنه سافر معتقدًا أن كل ما تركه سيبقى كما عهده؛ بيته، والحي الذي يسكنه، والشوارع التي اعتاد المشي فيها، وأهله وأصدقاؤه. كانت رغبته في العودة تشتدّ، لكن الظروف لم تسمح له بالرجوع كلما أراد. فظلّ يستعيد تفاصيل حياته هناك، حتى أصبحت العودة في خياله موعدًا يستردّ فيه راحته وما افتقده من نفسه.

وحين عاد، كانت اللهفة تسبقه. دخل الشوارع التي يعرفها، واقترب من الحي يتأمّل ملامحه. بعض الأشياء تغيّر، وبعضها بقي، غير أن الألفة لم تحضر كما تصوّر. التقى أهله وأصدقاءه، وفرح بقربهم، لكنه ظلّ يبحث خلال الأحاديث عن إحساس قديم لم يستطع استعادته.

في البداية، رأى الاختلاف في كل ما حوله؛ وجوه بدت أقل قربًا، وأحاديث لم تعد تستوقفه، ومكان لم يمنحه الطمأنينة التي انتظرها. ثم استوقفه ما لم ينتبه إليه طوال غيابه: كان يتخيّل العودة بعيني الشخص الذي غادر، ويعيشها الآن بعيني من صار إليه. وبين الاثنين سنوات تعلّم فيها وخسر وتجاوز، وتبدّلت فيها احتياجاته وما يرجوه من الحياة.

كان يشتاق إلى البيت حقًا، وإلى خفّته حين كان يسكنه، وإلى ضحكة لم يكن وراءها كل هذا التعب، وإلى أيام كانت فيها الوجوه التي يحبها جزءًا من تفاصيله اليومية. حفظت ذاكرته المكان وشعوره فيه معًا، حتى بدا له أن الباب الذي يعيده إلى البيت سيعيده إلى ذلك الزمن.

وهنا يربكنا الحنين؛ يمنح التفاصيل العزيزة وضوحًا قد يحجب ما جاورها من قلق وانتظار وخلاف. نقارن حاضرًا نعيش أعباءه بماضٍ هدأت أوجاعه في الذاكرة، فنحسب أن الحياة كانت أصفى على الدوام. وربما كان بعض ذلك الصفاء في بساطة احتياجاتنا، وفي وجود أشخاص كنّا نأمن قربهم دون أن نفكّر في احتمال غيابهم.

وفي غيابنا، تستمرّ حياة الآخرين أيضًا. تتغيّر مشاغلهم، وتتكوّن لهم عادات وتجارب لم نشاركهم فيها. قد تبقى المحبة صادقة، بينما يصبح الحديث أقل عفوية، وتحتاج الألفة إلى وقت تستعيد فيه طريقها. فما نعرفه عنهم يعود إلى آخر لقاء، وما عاشوه بعده يحتاج إلى سؤال وإنصات. وكذلك نحن؛ نحمل إليهم وجوهًا يعرفونها، وتجارب لم يسمعوها بعد.

لهذا، تستحق العودة أن نمنحها فرصة تتجاوز امتحانها بذاكرتنا. أن ندخل المكان منتبهين إلى ما فيه اليوم، وأن نجلس مع من نحب باهتمام صادق بما يعيشونه، وأن نسمح لهم بمعرفة ما أصبحنا عليه. فقد نجد قربًا مختلفًا، أكثر هدوءًا أو عمقًا، لم يكن ليتكوّن لو أصررنا على استعادة العلاقة بصورتها القديمة.

ولا ينتقص ذلك من جمال ما مضى. كانت سعادتنا فيه حقيقية، وكانت المحبة جديرة بأن نحفظها. لكننا نُثقل الحاضر حين نطالبه بإعادة زمن كامل؛ بأشخاصه وظروفه، وبأنفسنا قبل أن تمرّ بها الحياة. يكفي الماضي أن يكون جزءًا عزيزًا من حكايتنا، دون أن يصبح الصورة الوحيدة التي نقبل بها للسعادة.

أما ذلك المسافر، فقد وجد بعض ما تركه بالأمس، وفهم بعض ما حمله معه دون أن يدري. أدرك أن المكان يستطيع أن يوقظ الذكرى، لكنه لا يستطيع أن يعيشها عنه مرة أخرى. ولعلّ عودته اكتملت حين توقّف عن البحث في كل وجه وزاوية عن حياته القديمة، وجلس بين أهله حاضرًا بما هو عليه، مستعدًا لأن يصنع معهم ذكرى جديدة.

همسة أمل

أصغِ إلى حنينك؛ فقد يدلّك على حاجة أهملتها: أمان، أو بساطة، أو صحبة تطمئنّ معها. امنح هذه الحاجة مكانًا في يومك؛ فما أحببته في الأمس قد تجد له سبيلًا جديدًا، يليق بك كما أصبحت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى