ذهبتُ شخصًا… وعدتُ آخر

بقلم / أمل بازيد  

«هل سينبض قلبي بالمشاعر من جديد؟»

استوقفني سؤاله وهو يروي حكاية علاقة انتهت. قلتُ: «ولماذا لا ينبض؟ أراك هادئًا، متصالحًا مع نفسك ومع ما مضى».

قال: «هذا ما يبدو لكِ. دخلتُ تلك العلاقة بكل أحاسيسي، وخرجتُ منها شخصًا آخر. لم أعد أفرح بالطريقة نفسها، ولا أنتظر شيئًا بلهفتي القديمة. لا أحمل كراهية، ولا أرغب في العودة، لكنني أفتقد نفسي… ذهبتُ شخصًا، وعدتُ آخر».

سألته: «أهو الندم؟»

أجاب: «ربما حسرة على مشاعر منحتُها لشخص لم يُدرك قيمتها. يصعب عليّ وصف ما أشعر به، لكن الأشياء لم تعد تحرّكني كما كانت… أصبحتُ متزنًا جدًا».

قالها بوصفها شكوى، وكنتُ قبل لحظات أراها مدعاة للاطمئنان.

أعادتني عبارته إلى التسرّع في تفسير هدوء الآخرين. نرى شخصًا توقف عن العتاب، فنحسب أنه تجاوز. نسمعه يروي ما حدث بصوت ثابت، فنظن أن الحكاية لم تعد تؤلمه. وقد نمدح قوته، بينما يحاول أن يخبرنا بأنه لا يجد نفسه في هذا السكون.

ليس كل هدوء وجعًا مستترًا؛ فالتجارب قد تمنحنا بصيرة واتزانًا، وتعلّمنا التأنّي وحسن الاختيار. لكن الرجل كان يشكو غياب الفرح أيضًا. يفتقد تلقائيته، ويتساءل عن قدرته على الاقتراب من دون أن يتوقّع الخسارة قبل أن تبدأ الحكاية. وما بدا لي راحةً كان، في وصفه، فتورًا يثقل عليه.

في قوله «أفتقد نفسي» اتّضح لي عمق حسرته. فقد انتهت العلاقة، وبقي أثرها في نظرته إلى ما عاشه ومنحه. وربما كان أشقّ ما يواجهه أنه لم يعد يعرف إن كان حذره يحميه، أم يحرمه من حياة يريدها.

بعد بعض النهايات، يبدأ الإنسان بمراجعة اختياره، ثم يجد نفسه يحاكم صدقه: لماذا وثقتُ؟ لماذا أعطيتُ؟ وكأن عدم تقدير الآخر لمشاعره دليل على أن تلك المشاعر كانت خطأ.

تستحق هذه المراجعة قدرًا من الإنصاف. يمكن أن نندم على بقائنا طويلًا، وأن نقرّ بأننا تجاهلنا إشارات واضحة، وأن نتعلّم متى نعترض ومتى نغادر. أما محبتنا الصادقة، فلا ينبغي أن تصبح موضع خجل. لقد أخطأنا، ربما، في تقدير شخص أو موقف؛ وهذا لا يجعل كل ما كان جميلًا فينا سذاجةً تستوجب العقاب.

وقد يمتد أثر التجربة إلى تفاصيل لم تكن يومًا مصدر قلق: كلمة طيبة نشكّ في مقصدها، واهتمام نتهيّأ لانقطاعه، وفرصة قرب نتراجع عنها لأننا نعرف نهاية حكاية سابقة. هكذا يجد الماضي طريقه إلى حاضرنا، ويصبح لما حدث سلطة على ما لم يحدث بعد.

لم أملك جوابًا قاطعًا عن سؤاله، ولم أشأ أن أعده بعودة قريبة للهفة. تمنيتُ فقط أن يمنح نفسه فرصة قبل أن يحكم على قلبه حكمًا نهائيًا. فما يشعر به الآن يستحق أن يُفهم، لكنه لا يستطيع أن يخبره بكل ما سيكون عليه غدًا.

وقد تبدأ استعادته لنفسه من تفاصيل بسيطة: حديث يستمتع به، واهتمام يعود إليه، وخطة يرغب في إنجازها. وربما يكتشف مع الوقت أن مشاعره تتّسع من جديد، وأن بوسعه أن يحبّ بوعي أكبر، محتفظًا بصوته وحدوده، من دون أن يعتذر عن صدقه.

خرجتُ من الحوار أكثر انتباهًا إلى هدوء الآخرين، وأقل استعجالًا في تسميته تعافيًا. وبقيت عبارته معي: «ذهبتُ شخصًا، وعدتُ آخر». لم يعد ممكنًا أن يمحو أثر الرحلة، لكنني رجوتُ له أن يجد في نفسه التي عادت شيئًا يستحق أن يحبّه، وأن يمنحها فرصة لحكاية لم تبدأ بعد.

همسة أمل

إلى من يفتقد نفسه: لا تُلزم قلبك أن يعود كما كان. امنحه وقتًا، وافسح في يومك لما تحبّ، ولو قليلًا. وحين تفاجئك لحظة فرح، عشها من دون اختبار؛ يكفي أنها جاءت، وأنك استطعت أن تشعر بها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى