لا تُهدر بذورك في أرضٍ لا تنبت

بقلم / أمل بازيد  

استمعت مؤخرًا إلى بودكاست للدكتور نايف بن نهار، واستوقفتني عبارة قال فيها: «الأرض التي لا تنبت، لا تضيع وقتك في زراعتها، تفرّغ للأراضي التي تنبت». ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها هذا المعنى، فإنها هذه المرة أثارت في نفسي تساؤلًا أعمق: كم من أعمارنا أهدرنا ونحن نحاول أن نزرع الوعي في عقول لا ترغب في استقباله، ونوقظ الطموح في نفوس اعتادت الاستسلام، ونمنح من وقتنا وجهدنا لأشخاص لا يدركون قيمة ما يُقدَّم لهم؟

ليست الأرض المقصودة هنا ترابًا نزرعه، وإنما نفوس البشر وعقولهم، وليست البذور سوى ما نمنحه من معرفة ونصح واهتمام وفرص. فكما تختلف الأرض في خصوبتها، يختلف الناس في استعدادهم للنمو والتطور والاستفادة مما تتيحه لهم الحياة.

هناك من يمتلك عقلًا منفتحًا، يرى في التجارب دروسًا، وفي العقبات فرصًا للتعلم، وفي نجاح الآخرين حافزًا للإنجاز. أشخاص لا يشترطون اكتمال الظروف ليبدؤوا، ولا ينتظرون من يحمل عنهم مسؤولية حياتهم. قد يتعثرون ويخفقون، لكنهم يمتلكون الرغبة في المحاولة، والقدرة على مراجعة أنفسهم وتصحيح مساراتهم. هؤلاء لا يقتصر إنتاجهم على العمل والإنجاز، بل يمتد إلى أثرهم الإيجابي فيمن حولهم.

وفي المقابل، هناك من استسلم لنظرته السوداوية، وأحاط نفسه بالمقارنات والغيرة والحسد، حتى أصبح نجاح الآخرين مصدرًا لانزعاجه بدلًا من أن يكون دافعًا له. يرفض النصيحة قبل أن يتأملها، ويبحث عن العوائق قبل أن يجرب الحلول، ويحمّل الظروف والآخرين مسؤولية إخفاقاته. وقد تتحول مجالسته إلى استنزاف نفسي، إذ تجد نفسك مطالبًا باستمرار بتبرير التفاؤل، والدفاع عن الطموح، وإقناعه بأن الحياة لا تُختزل في جوانبها المظلمة.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين من أنهكته الظروف ومن اتخذ من السلبية منهجًا، ولا بين إنسان يتعثر وهو يحاول النهوض وآخر يرفض المحاولة أصلًا. فبعض النفوس تحتاج إلى المساندة والصبر، وبعضها يمر بظروف تحجب عنه قدرته على رؤية الفرص. وليس التعثر دليلًا على العجز، كما أن النجاح ليس المقياس الوحيد لقيمة الإنسان.

لكن السؤال الأهم: لماذا نستمر أحيانًا في محاولات نعلم أنها لا تؤتي ثمارها؟

ربما لأننا نؤمن بأن المزيد من الاهتمام سيصنع فارقًا، أو لأننا نرفض الاعتراف بأن ما بذلناه من وقت وجهد لم يحقق غايته. فنضاعف المحاولات، ونكرر النصائح، ونمنح الفرص تلو الأخرى، حتى نجد أنفسنا أكثر انشغالًا بإصلاح حياة الآخرين من الاهتمام بحياتنا.

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد ننشغل طويلًا بمحاولة إنبات أرض لا تستجيب، بينما نهمل أراضي خصبة كان يمكن أن تزدهر بما نمنحها من عناية. وقد تكون تلك الأرض مشروعًا مؤجلًا، أو موهبة لم نطوّرها، أو علاقة تستحق الاهتمام، أو حتى أنفسنا التي استنزفنا طاقتها في معارك لا نملك حسمها.

إن مساعدة الآخرين قيمة إنسانية نبيلة، لكنها لا تمنحنا سلطة تغييرهم. نستطيع أن نفتح بابًا، لكننا لا نستطيع إجبار أحد على عبوره. ونستطيع أن نقدم المعرفة، لكننا لا نستطيع فرض الوعي؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ من رغبة صاحبه، لا من إصرار المحيطين به.

ولعل من علامات النضج أن ندرك متى نستمر في العطاء، ومتى نعيد توجيه جهودنا دون قسوة أو شعور بالذنب. فليس مطلوبًا منا أن نتخلى عن إنسان لمجرد اختلافه معنا، وإنما أن نميّز بين المساندة التي تعين على النهوض، والاستنزاف الذي يجعلنا ندور في دائرة المحاولات ذاتها دون جدوى.

فالعمر ليس حقلًا مفتوحًا للتجارب التي لا تنتهي، والوقت الذي نمضيه في انتظار تغيير لا يريده صاحبه هو وقت نقتطعه من فرص أخرى قد تصنع فرقًا حقيقيًا في حياتنا.

همسة أمل

لا تبخل ببذور الخير على أحد، ولكن أحسن اختيار الأرض التي تمنحها جهدك ووقتك. امنح الفرص، وساند من يحتاج إليك، لكن لا تجعل إصرارك على تغيير الآخرين سببًا في إهمال نفسك. فليست كل أرض تأخرت في الإنبات عقيمة، غير أن الحكمة أن تعرف متى تصبر على الزرع، ومتى تدرك أن بعض البذور أولى بأن تُغرس في أرض أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى