“ابني ذكي”… بس مهمل وما بيسمع الكلام!

“ابني ذكي… بس مهمل
وما بيسمع الكلام!
هل هو عناد وتقصير؟ أم هو ADHD؟
«ابني بيفهم… بس ما بيطبّق!»
«بيقدر يركز على الألعاب لساعات ، بس ما بيقدر يدرس عشر دقايق!»
«كل يوم بكرر نفس الكلام وما بيتغير شي!»
«ذكي جدًا… بس مهمل!»
عبارات تتكرر كثيرًا داخل البيوت، لكن خلف بعضها قد تكون قصة أكبر من مجرد «عناد، أو إهمال او قلة اهتمام».
أحيانًا يكون الطفل أمام تحديات مرتبطة بـ اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، وهو اضطراب نمائي عصبي يمكن أن يؤثر في الانتباه، وضبط الاندفاع، وتنظيم النشاط والسلوك.
كيف يظهر ADHD؟
ليس بالضرورة أن يكون الطفل الذي لديه ADHD كثير الحركة و يركض طوال الوقت أو لا يستطيع الجلوس لوقت اطول .
قد يظهر الأمر بأشكال مختلفة.
قد ينسى التعليمات بسرعة، يفقد أغراضه باستمرار، ينتقل من مهمة إلى أخرى، يؤجل واجباته، يرتكب أخطاء بسبب عدم الانتباه، أو يبدو وكأنه لا يسمع عندما نتحدث معه.
وقد يجد صعوبة في تنظيم وقته، إكمال ما بدأه، متابعة التفاصيل أو التركيز في المهام التي لا تثير اهتمامه.
أما فرط الحركة والاندفاع فقد يظهران في الحركة المستمرة، كثرة الكلام، مقاطعة الآخرين، صعوبة انتظار الدور، التصرف قبل التفكير أو الدخول في مواقف خطرة دون تقدير كافٍ للعواقب.
لكن ليس شرطًا أن تجتمع كل هذه الأعراض عند كل طفل، كما أن وجود بعضها لا يعني تلقائيًا أن الطفل لديه ADHD.
والسؤال الذي يحير الأهل:
«إذا كان عنده مشكلة بالانتباه، كيف بيقدر يركز بالساعات على الألعاب أو الشي اللي بيحبه؟»
لأن الانتباه ليس مجرد «إرادة».
قد يستطيع الطفل الانخراط بشدة في نشاط ممتع أو محفّز، بينما يجد صعوبة كبيرة في المحافظة على الانتباه في مهمة روتينية أو غير محفزة بالنسبة له .
وهنا يخطئ بعض الأهل عندما يقولون:
«يعني هو بيقدر يركز، بس ما بدّه!»
من أين يأتي ADHD؟
لا يوجد سبب واحد يمكن أن نقول إنه المسؤول وحده عن ADHD.
هناك عوامل وراثية وعصبية لها دور مهم، وقد تتداخل معها عوامل أخرى مرتبطة بالحمل والولادة والنمو والبيئة.
ومن المهم جدًا أن نوضح:
ADHD ليس سببه ببساطة سوء التربية، ولا قلة الحزم، ولا أن الطفل «مدلل».
لكن البيئة الأسرية والمدرسية قد تؤثر بشكل كبير في شدة الأعراض وطريقة تعامل الطفل معها وقدرته على النجاح والتكيف.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية داخل الأسرة
طفل ينسى…
الأم تكرر.
الطفل يتشتت…
الأب يغضب.
الطفل يؤجل واجبه…
الأهل يصفونه بالكسل.
الطفل يقاطع…
يقال عنه «قليل أدب».
ومع تكرار هذه الرسائل، قد يبدأ الطفل نفسه بتصديقها.
«أنا مهمل.»
«أنا فاشل .»
«أنا دائمًا بعمل مشاكل.»
وهنا يتحول التحدي من مشكلة في الانتباه والتنظيم إلى مشكلة في صورة الطفل عن نفسه.
وماذا عن المدرسة؟
قد تظهر الصعوبة في شكل تراجع في التحصيل، نسيان الواجبات، عدم إكمال الاختبارات، أخطاء في التعليمات، ضعف التنظيم أو فقدان الأدوات.ضعف في التركيز و الانتباه داخل الصف .
وقد يكون الطفل ذكيًا ويمتلك قدرات جيدة، لكن أداءه الأكاديمي لا يعكس قدراته الحقيقية.
وهذا تحديدًا ما يجعل بعض الأهل في حيرة:
«هو فاهم الدرس بالبيت… ليش علاماته ضعيفة؟»
لأن القدرة على الفهم ليست هي نفسها القدرة على تنظيم الانتباه والوقت والاندفاع وإتمام المهمة.
لكن انتبهوا…
ليس كل طفل كثير الحركة لديه ADHD.
وليس كل طفل شارد أو كثير النسيان لديه ADHD.
فالقلق، قلة النوم، الضغوط النفسية، صعوبات التعلم، بعض المشكلات الصحية أو غيرها قد تؤثر أيضًا في التركيز والسلوك.
لذلك لا يكفي أن نرى عرضًا أو عرضين ونطلق تشخيصًا.
التقييم المتخصص ينظر إلى الصورة كاملة، ومدى استمرار الأعراض وتأثيرها في أكثر من جانب من حياة الطفل.
ماذا يحتاج الطفل إذًا؟
ليس المزيد من الصراخ.
وليس المقارنة بإخوته.
وليس جملة:
«إنت بتقدر… بس ما بدك!»
يحتاج إلى فهم حقيقي لصعوباته، وروتين واضح، وتعليمات قصيرة ومحددة، وتقسيم المهام، وتعزيز تقدمه، وتعاون بين الأسرة والمدرسة والمختصين.
والأهم أن يفصل الأهل بين السلوك والطفل.
بدل:
«إنت مهمل.»
نقول:
«المهمة ما خلصت، خلينا نشوف ليش كانت صعبة عليك.»
فالأولى تهاجم شخصيته، بينما الثانية تساعده على حل المشكلة.
من قلب الأسرة…
قبل أن نسأل:
«ليش ابني ما بيسمع الكلام؟»
خلينا نسأل:
«هل هو فعلًا ما بدّه يسمع… أم أنه يواجه صعوبة في تنظيم انتباهه واندفاعه وسلوكه؟»
وقبل أن نصفه بالكسل أو الإهمال، علينا أن نتأكد أننا نفهم ما يحدث فعلًا.
لأن الطفل الذي يعاني من ADHD لا يحتاج أهلًا يعاقبونه على شيء لا يفهمونه…
بل يحتاج أهلًا يفهمون ما يحدث، ثم يساعدونه على بناء المهارات التي تنقصه.
فأحيانًا…
المشكلة ليست أن الطفل لا يريد أن ينجح.
المشكلة أنه يحتاج طريقة مختلفة حتى يستطيع النجاح.
من قلب الأسرة
تكتب الدكتورة نور العوفي
أخصائية نفسية و استشارية أسرية و تربوية .