عطر العتاب في مسرح المكابرة

حين يعانق الشعر خبايا النفس البشرية، فإنه لا يقتصر على صياغة القوافي، بل يتحول إلى مرآة دقيقة تعكس صراع الكبرياء، ومرارة الحنين، ووهم النسيان، وفي فضاء الشعر النبطي العذب، تأتي قصيدة «وشلون سيرتي؟!» للشاعر رضا حليس الرويلي، لتشكل لوحة شعورية ناطقة بالتناقضات العاطفية العميقة.
إنها قصيدة تأخذنا في رحلة مذهلة بين عتبة اللقاء الأولى وظلال الكبرياء الدفينة، لنكتشف معاً كيف تتحول الكلمات البسيطة إلى مواجهات نفسية صادقة تكذبها نظرات العيون وارتباك الحضور.
تفتح القصيدة أبوابها على مصراعيها بدهشة اللقاء وسؤال الاستباق الذي يحمل في طياته مرارة العتب وحلاوة الحضور، حيث يقول الشاعر:
«وش جابك لبيتنا وشلون سيرتي؟! ولا غلا أمي هو اللي يمنا جابك»
هذا الاستهلال لا يضع المتلقي أمام مجرد استفهام عابر، بل يضعنا في قلب المفاجأة العاطفية؛ فالبيت يوازن ببراعة بين احتمالين: هل جاء الزائر طوعاً ليتفقد سيرته وأثره، أم أن صدفة الطريق أو بركة “الأم” وحضورها الدافئ هي التي قادته إلى هذه العتبات؟ و استخدام مفردة “الأم” هنا يمنح النص مسحة من الطهر والدفء العائلي الذي يحيل القسوة المحتملة في الغياب إلى طمأنة مفاجئة.
ومن هذا الموقف المباشر والمنطلق من عتبة البيت، ينتقل الشاعر بذكاء شعوري مذهل وبانسيابية عذبة نحو سبر أغوار النفس ومواجهة المحبوبة بظنها، متسائلاً بلسان العزة والشموخ في قوله:
«ولا لإنك على مثلي تكاثرتي إنّه يسافر بلا جرحٍ من أسبابك»
هذا البيت يمثل ذروة المكاشفة النفسية؛ فكأن الشاعر يسألها بوقار المنتصر لا المكسور: أأتيتِ لترين إن كنتُ قد عبرتُ غيابكِ بسهولة، وظننتِ أن مثلي يمكن أن يسافر في دروب الحياة بلا جرح تسببتِ به؟ ليأتي هذا السؤال كمرآة تفضح ذلك الظن وتؤكد أن غيابها ترك ندوباً لا تُطوى، دون أن يخدش ذلك كبرياء الشاعر أو يقلل من هيبة موقفه.
ومن محطات هذا الظن الخاطئ، ينساب الشاعر بسلاسة مذهلة نحو عمق الذاكرة ليوجه إليها سؤاله المحلف وهو يعلم مسبقاً مدى مكابرتها ، مستدعيًا عهود الماضي بقوله:
«أسألك بالله ما عمرك تذكرتي ليلٍ حلفتی بأنّي سيد احبابك»
هنا يتجلى الدهاء العاطفي للشاعر؛ فهو يعلم تماماً أن الكبرياء يمنعها من الاعتراف، وأنه لا سبيل لكسر هذا الحصن النفسي وإجبارها على الإقرار بالحق إلا بسلاح “القسم”، فيحلفها بالله لانتزاع الحقيقة رغماً عن غرورها، مذكراً إياها بليلة صادقة أقسمت فيها يوماً بأنه سيّد أحبابها، ليصبح الليل هنا شاهداً حياً على ميثاق غليظ لا تستطيع سنوات الجفاء محوه.
غير أن هذا الاسترجاع الجميل للماضي يصطدم بواقع الدموع والانكسار، لينتقل الشاعر بنا إلى مشهد شجي مؤثر يصور قمة الألم النفسي في قوله:
«ليل تسرب رجاي ولا تعذرتي مع أن دمع الندم يرقص على أهدابك»
الانتقال هنا يتميز ببراعة بصرية وشعورية فائقة؛ فالتعبير بـ “تسرب رجاي” يصور نفاذ الصبر وتسرّب الأمل ببطء وعلى مهل، وهو أقسى ما في وجع الانتظار والانكسار، وأما استخدام الشاعر لكلمة «ليل» هنا ليس مجرد إشارة إلى الظرف الزمني أو وقت حدوث الفعل، بل هو استدعاء لحالة شعورية ونفسية خانقة، فالليل في وجدان المحبين هو الحاضن الأكبر للأفكار، والمخزن العتيق للذكريات، والظلام الذي يتكئ عليه الأرق.
وفي المقابل، يتجلى المشهد على محيا المحبوبة حيث يترقرق دمع الندم على الأهداب، فالشاعر هنا يقرأ بدقة ملامح الطرف الآخر، ليرى الندم ماثلاً في وميض الدمع، في تصوير يبرز حساسيته المفرطة تجاه تفاصيل من يحب دون تجريح لصورتها.
وتتخذ القصيدة مساراً أعمق في تجسيد هذا التعلق حين ينتقل الشاعر من رصد الدمع الظاهر إلى تذكيرها بعهود الوصل وخصوصية حضورها، ليقول:
«حلفتی إنك على شاني تصورتي وإن صوري ترتكي في جوف دولابك»
هذا الانتقال يعكس وفاءً ناصعاً وربطاً عميقاً؛ فالشاعر يذكرها بأنها كانت تتصور وتتجمّل من أجله هو وحده، لترسخ تلك الصور بملامحها في خبايا روحه، أما صور الشاعر كانت في” جوف دولابها”، فالقسم هنا يتجدد، ليؤكد أن حضور الشاعر لم يكن سطحياً، بل متجذراً في أدق تفاصيل خلوة المحبوبة، مما يعطي إحساساً بأن المسافات لم تستطع أن تمحو شيئاً من هذا الحضور الخفي والمرتكز في أعمق أسرارها.
ثم يرتفع الإيقاع العاطفي نحو مرتبة أعلى من التجلي الطبيعي والوجداني، حيث تصبح الطبيعة والوجود شريكين في هذا الحنين، وفقاً لقوله:
«ياما تغنيت بك حتى مع شجرتي وصوير يا شفني قام يتغنى بك»
هذا الانتقال من الحيز الداخلي الخاص إلى فضاء الطبيعة الواسع (الشجر والكون المحيط به) يعكس اتساع دائرة العشق؛ فلم يعد الشاعر وحده من يتغنى، بل إن الشجر وصورته الذاتية أضحيا نايا لحنه اسم المحبوبة، في تمازج فريد بين الذات والموضوع.
وعند هذه القمة من التوق والوجد، يأتي الانعطاف الواقعي الحاد الذي يضع المحبوبة وجهاً لوجه أمام الحقيقة المرة للقاء والاضطراب، حيث يعبر الشاعر عن ذلك بصدق وعذوبة، قائلا:
«وجيتي وشفتك ولكنك تأثرتي حسيت.. الكويت كل شوي ينتباك»
هذا الانتقال يمثل ذروة الواقعية الراقية في النص؛ فبعد كل هذا الخيال والتذكر، ها هو اللقاء يقع، وتأتي المحبوبة مرتبكة ومأخوذة بتفاصيل المكان والهيبة حتى كأن دولة بحجم “الكويت” تسكن ومضات عينيها وتلفتاتها.
الشاعر يقرأ الارتباك بذكاء بارع، محولاً إياه إلى مرآة تكشف حجم التأثر الحقيقي وتكذب ذلك الظن القديم بأن الحياة مضت دونه بكل بساطة.
ولأن النفس البشرية مجبولة على المكابرة في مواقف الفراق، ينتقل الشاعر من رصد ارتباك اللحظة إلى محاكمة الفراق ومنطق التجوري، ليقول:
«أنا أحسب أنك من الفرقى تجورتي ابتلذذ ليامن سقتي عتابك ..»
هنا يتجلى العتاب بمرارة لطيفة؛ فالشاعر كان يتوقع أن تكون المحبوبة أقوى في مواجهة الفرقة، لكنه مع ذلك يجد لذة خاصة في سير هذا العتاب وتبادله، لأن العتاب في ميزان المحبين دليل بقاء وصل ونبض حياة، دون المساس بعزة الطرفين.
تختتم القصيدة خاتمة محكمة تربط بدايتها بنهايتها في دورة شعورية متقنة، حين يعود الشاعر ليواجهها بذاكرة كلماتها السابقة التي تناقض واقعها اليوم، مصرحاً:
«قلتي لي إنّك من الماضي تحررتي وإن الهوى ما يساوي زر بَثيابك»
هذا البيت الأخير يمثل الذروة الدرامية الأبرز للرد والمكاشفة؛ فحين تصر المعشوقة في الماضي على ادعاء التحرر والاستغناء زاعمةً أن الهوى لا يساوي شيئاً ولا يتعدى وزن “زر في ثوبها”، يأتي اللقاء الحاضر بارتباكها ليكذب هذا الادعاء تماماً.
والشاعر يضعها وجهاً لوجه أمام تناقضها بأسلوب راقٍ، ليؤكد أن من يعلن الاستغناء لا يرتبك بهذا الشكل، وأن تفاصيل الحب الصادقة تعجز كل محاولات الكبرياء والنسيان عن اقتلاعها، وبهذا تكتمل اللوحة الشعرية متماسكة الأجزاء، عذبة الانتقالات، تنبض بصدق الشعور وعمق التحليل النفسي.
وفي ختام هذه الرحلة الوجدانية المعطرة بعبق الحنين وعزّة الكبرياء، تبقى قصيدة «وشلون سيرتي؟!» أثراً أدبياً ناطقاً بأن أصدق الشعر ما غاص في قاع النفس، ولامس تناقضاتها بصمت نبيل.
لقد طافت بنا هذه الأبيات بين عتبة اللقاء المدهشة، وصراع المكابرة والظنون، وصولاً إلى تلك اللحظة التي تتهاوى فيها أدعياء النسيان أمام وميض الارتباك وصدق الدمع. وكأن الشاعر رضا حليس الرويلي يتركنا أمام حقيقة لا مفر منها: إن الحب الحقيقي، مهما غلفه الغرور أو توارت خيوطه خلف أستار الجفاء، يظل راسخاً كالأوتاد في أعماق الروح، تعجز كل محاولات المضي عن اقتلاعه، ليظل شاهداً على أن الوفاء، وإن طال السفر، لا يتبدل ولا يزول.