هل يعيد الاعتذار المتأخّر الودّ؟

بقلم / أمل بازيد  

بعض الاعتذارات تصل بعدما نتوقّف عن انتظارها؛ تحمل الكلمات التي احتجنا إليها يومًا، لكنها تجدنا وقد تعلّمنا كيف نمضي دونها. نسمعها، ونلمس ندم قائلها، ثم نكتشف أن الشعور الذي ظننا أنها ستوقظه لم يعد كما كان.

حكى لي أحدهم أن شخصًا خذله قبل سنوات، وأخطأ في حقّه، ثم مضى كلٌّ منهما في طريقه. وبعد أعوام، عاد ذلك الشخص يحاول استعادة العلاقة؛ اعتذر، وبذل ما استطاع ليرضي خاطره، وأخبره أنه لم يجد من يشبهه في أخلاقه، ولا في دعمه وعطائه الصادق.

استوقفتني الحكاية؛ فقد أدرك العائد قيمة من خسر، لكنّ من خُذل عاش خلال الغياب رحلة لم يشهدها صاحبه. احتمل أسئلته، وراجع ثقته، وأعاد ترتيب حياته. وحين التقيا، كان أحدهما يتذكّر جمال العلاقة، بينما كان الآخر يتذكّر أيضًا ما كلّفه فقدانها.

فهل يكفي أن يعرف أحدهم قيمتنا متأخرًا، حتى نستطيع أن نأتمنه علينا من جديد؟

ليست كل الأعذار مقبولة؛ فبعضها يشرح الظروف، وبعضها ينشغل بتبرئة صاحبه أكثر من فهم أثر فعله. وهناك فرق بين أن يقول الإنسان: «لم أقصد إيذاءك»، وأن يعترف: «أفهم أنني آذيتك». الأولى تتحدّث عن نيّته، والثانية تمنح ألم الآخر مكانًا في الحديث. ومن هنا يبدأ الاعتذار الذي يمكن أن يُبنى عليه إصلاح.

فالخذلان لا ينتهي دائمًا بانتهاء الموقف. قد يبقى في تردّدنا قبل البوح، وفي خوفنا من طلب السند، وفي مراجعتنا لكلمات كنّا نقولها بعفوية. وربما احتجنا إلى وقت لندرك أن صدق عطائنا لم يكن خطأ، وأن إساءة أحدهم لا تنتقص من قيمة ما منحناه.

لهذا، قد نقبل الاعتذار ولا نستطيع استعادة القرب. نصدّق الندم، ونقدّر شجاعة الاعتراف، لكننا لا نجد في داخلنا الطمأنينة التي تسمح بالعودة. وهذه المسافة ليست بالضرورة عقابًا؛ فقد تكون حدًّا تعلّمنا حاجتنا إليه بعد تجربة مؤلمة.

ومع ذلك، لا تُغلق كل علاقة بخطأ. فالإنسان قادر على مراجعة نفسه، وقد يستحق فرصة حين يظهر تغيّره في سلوكه. والفرصة بداية تُختبر فيها الوعود بالمواقف؛ إذ لا يُعرف صدق التغيّر في لحظة استرضاء وحدها، بل في طريقة التعامل بعد هدوء اللقاء، وعند أول اختلاف جديد.

أما القول إن «الغاضب قد يلين، والمدرك لا يعود»، فيختصر تجارب معقّدة في حكم واحد. فقد يقودنا الإدراك إلى المصالحة حين نرى إصلاحًا حقيقيًّا، وقد يقودنا إلى الرحيل حين تتكرّر الإساءة ويتبعها الاعتذار نفسه. قيمة القرار فيما يستند إليه من فهم، وفيما يحفظه لصاحبه من كرامة وأمان.

ويظهر نضج المعتذر حين لا يتلقّى الإجابة التي يرجوها؛ فيحترم التردّد، ويتقبّل الحدود، ويفهم أن بذل ما يستطيع لا يُلزم الآخر باستعادة شعور غادره. فمسؤوليته أن يصلح ما أمكنه، دون أن يقرّر عن المجروح موعد تعافيه أو شكل علاقته به.

قد تنشأ بعد الاعتذار علاقة أكثر وضوحًا ووعيًا، وقد ينتهي به عتاب قديم دون أن يُستأنف القرب. وفي الحالتين، يظلّ للاعتذار الصادق معناه؛ فهو اعتراف بما حدث، وإنصاف لمن تأذّى، حتى حين يتعذّر الرجوع.

حين يعود شخص إلى حياتنا، فإنه يلتقي بمن صرنا إليه، بكل ما تعلّمناه في غيابه. ولذلك، قد يكون السؤال الأجدى من «هل نعود كما كنّا؟»: هل نستطيع أن نبني، بما نعرفه الآن، علاقة نطمئن إليها؟

همسة أمل

لا تتعجّل جوابًا تحت ضغط الحنين أو الإحراج. امنح نفسك وقتًا لتعرف ما تستطيع منحه بصدق؛ فإن اخترت فرصة، فلتكن بخطوات واضحة، وإن اخترت المسافة، فلتكن دون رغبة في الانتقام. تستطيع أن تقدّر الاعتذار، وأن تحفظ لنفسك حقّ الاختيار؛ فالقرب الذي يستحق العودة هو ما يمكنك أن تعيشه بسلام ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى