بياض القهوة وخضار الملوخية

بقلم/ ديمة الشريف  

فلسفة التفاؤل في الوجدان الحجازي منذ قرون طويلة، وأزقة الحجاز العتيقة تشهد طقساً فريداً مع إطلالة كل عام هجري جديد، طقساً لا يخاطب العقول والقلوب فحسب، بل يمتد ليتجلى على الموائد وفي الأواني.
في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة التاريخية، يتحول الطعام من مجرد قِوام للجسد إلى لغة بصرية وروحية تعبر عن أعمق مشاعر التفاؤل والرجاء.
إنها ثنائية “القهوة البيضاء” و”الملوخية الخضراء”، اللتان تُلخصان فلسفة شعب يصر على استقبال الغيب بالجمال والنقاء.
فلسفة اللون في الموروث الحجازي
يتعامل الوجدان الحجازي مع الألوان باعتبارها انعكاسات ضوئية مجردة، بل يراها رموزاً لمسارات الحياة.
فالأبيض هو صفحة البدايات النظيفة، والنقاء الذي يتمناه المرء لسريرته وعلاقاته في العام الجديد.
أما الأخضر، فهو رمز النماء والبركة التي يرجو تدفقها على العباد والبلاد.
من هنا، ولدت الفكرة: أن يفتتح الإنسان عامه بتناول ما يشبه أمنياته، لعلّ الدقائق القادمة تتشرب من ذات اللون والبهجة.
القهوة البيضاء: رشفة النقاء وبياض السريرة
تبدأ المراسم الصباحية في أول أيام المحرم بنفحات الهيل والمستكة المنبعثة من “القهوة البيضاء”، أو كما يُطلق عليها محلياً “القهوة الحلوة”.
هي ليست قهوة بالمعنى التقليدي، إذ تخلو من مرارة البن، وتتكون من الحليب، ودقيق اللوز، والنشا، وماء الورد، وتُزين باللوز المبشور.
يقدم هذا المزيج الدافئ تفاؤلاً بأن تكون السنة الجديدة بيضاء، نقية، وخالية من الأكدار والهموم. الرشفة الأولى منها ليست مجرد تذوق للمذاق الحلو، بل هي بمثابة عهد روحي يقطعه المرء مع نفسه بأن يستقبل الأيام بقلب أبيض متسامح، مستبشراً بالخير واليسر.الملوخية الخضراء: مائدة الخير والنماءومع انتصاف اليوم الأول من العام، تفوح من المطابخ الحجازية رائحة “الكزبرة والمنتش” (الثوم المقلي)، معلنةً عن نضج سيد المائدة في هذا اليوم: “الملوخية الخضراء”. يُصر الحجازيون على أن تكون وجبتهم الرئيسية الأولى خضراء، تيمناً بأن يكسو الخضار والربيع سائر أيامهم.الملوخية في هذا السياق تتجاوز كونها طبقاً شهياً؛ إنها دعاء صامت بالرزق الوفير، والنماء المستمر، وأن تكون السنة “خضراء” في عطائها، خصبة في إنجازاتها، ومثمرة في كل خطوة يخطوها الإنسان. تجمع هذه المائدة العائلة حول طبق واحد، ليتشارك الجميع الأمنية ذاتها، ويمضغون التفاؤل مع كل لقمة.امتداد الهوية عبر الأجيالإن استمرار هذه العادات حتى يومنا هذا يعكس عمق الهوية الحجازية وقدرتها على البقاء في وجه التحديث المتسارع. فالأمر لا يتعلق بالتمسك بالماضي لمجرد التكرار، بل بالحاجة الإنسانية المستمرة لربط الحاضر بجذور دافئة تمنح شعوراً بالأمان والاتصال. القهوة البيضاء والملوخية الخضراء هما وسيلة الحجازيين البسيطة والبليغة في آن واحد، لقول: “مرحباً بالغد، ونحن مستعدون لاستقباله بأجمل ما لدينا من أمل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى