المحامية : ليلى بنت محمد تكتب لـ”درة” | وراء كل كفيف واثق… أسرة صنعت الفرق

بقلم / المحامية : ليلى بنت محمد  

لا يولد الإنسان واثقًا بنفسه، بل تُصاغ ثقته على مهل، كلمةً بعد كلمة، وموقفًا بعد موقف، حتى تصبح جزءًا من شخصيته ، وإذا كان البصر نافذةً يرى بها الإنسان العالم، فإن الأسرة هي النافذة التي يرى بها ذاته؛ منها يتشكل إدراكه لقدراته، وفي رحابها تُولد ثقته، ومنها يبدأ أول طريقٍ نحو الاستقلال ، فالطفل الكفيف لا يخشى فقدان البصر بقدر ما يخشى أن يفقد إيمان أقرب الناس إليه بقدراته ،وحين تتعامل الأسرة مع الإعاقة بوصفها اختلافًا لا انتقاصًا، وقدرًا لا عائقًا، فإنها لا تربي طفلًا يعتمد على الآخرين، بل تصنع إنسانًا يعرف قيمته، ويؤمن بأن مكانه في الحياة لا تحدده عيناه، بل تحدده عزيمته وما يحمله من علم ومهارة وإرادة ، إن أعظم ما تهبه الأسرة لابنها الكفيف ليس الحماية، بل الثقة ، وليست الخدمة الدائمة، بل فرصة المحاولة. وليست إزالة العقبات من طريقه، بل تعليمه كيف يتجاوزها بنفسه ، فكل تجربة يُسمح له بخوضها، وكل مسؤولية تُوكل إليه، وكل قرار يُمنح حق اتخاذه، هو إعلان صامت بأنهم يؤمنون بقدرته، وهذا الإيمان وحده كفيل بأن يبني داخله شخصية لا تهزها نظرات الشفقة ولا تُقيدها الأحكام المسبقة ، وعلى النقيض من ذلك، قد تتحول الحماية الزائدة إلى سجنٍ غير مرئي، تُغلَّف بالمحبة ويُغلق بابها بالخوف ، فيُحرم الكفيف من حقه في التجربة، ويُمنع من ارتكاب الأخطاء التي يتعلم منها غيره، حتى يعتاد الاتكاء على الآخرين، لا لأنه عاجز، بل لأنه لم يُمنح فرصة ليكتشف أنه قادر ، فالاستقلالية ليست حدثًا يبدأ مع أول وظيفة، ولا إنجازًا يُمنح عند التخرج، وإنما هي ثقافة تُبنى منذ الطفولة ، تبدأ حين يرتب الطفل أغراضه بنفسه، ويتحرك بثقة داخل منزله، ويتعلم استخدام العصا البيضاء، ويتقن وسائل التقنية المساندة، ويُعامل بوصفه فردًا قادرًا على تحمل المسؤولية، لا شخصًا تُدار حياته نيابةً عنه ، ولعل أجمل ما تصنعه الأسرة أنها تُبدل نظرة الكفيف إلى ذاته قبل أن تُبدل نظرة المجتمع إليه ، فمن نشأ في بيتٍ يسمع: أنت تستطيع، سيواجه العالم بهذه القناعة ، ومن تربى على الثقة، لن تُضعفه نظرة مشفقة، ولن توقفه عقبة، لأنه يحمل في داخله يقينًا غرسه أبٌ احتوى، وأمٌ آمنت، وأسرة رأت إمكاناته قبل أن يرى الآخرون إعاقته ، وليس من المبالغة أن نقول إن كثيرًا من قصص النجاح التي يكتبها المكفوفون، تبدأ سطورها الأولى داخل المنزل ، هناك حيث يُصنع الإصرار، وتُربى العزيمة، ويُغرس الاعتماد على النفس، قبل أن يصفق المجتمع للإنجاز بسنوات ، إن الأسرة التي تؤمن بابنها الكفيف، لا تمنحه مستقبلًا جاهزًا، بل تمنحه ما هو أثمن من ذلك كله؛ تمنحه الإيمان بنفسه ، وحين يمتلك الإنسان هذه الثروة، يصبح قادرًا على أن يشق طريقه، وأن يكتب حكايته بيده، وأن يثبت للعالم أن فقدان البصر لم يكن يومًا فقدانًا للبصيرة.

ولهذا، فكلما رأيتم كفيفًا يسير واثق الخطى، أو يقود مشروعًا، أو يبدع في مهنته، أو يصنع أثرًا في مجتمعه، فتذكروا أن وراء ذلك المشهد سنواتٍ من التربية الواعية، والدعم الصادق، والثقة التي لم تهتز ، فخلف كل كفيفٍ واثق… أسرة لم تُربِّ ابنها على أن ينتظر من يحمل عنه الحياة، بل ربّته ليحمل حياته بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى