آمنه العطا الله تكتب لـ”درة” | الخذلان الذي يعلّم

بقلم / آمنه العطا الله  

ليست كل الدروس تُلقى في قاعات التعليم، ولا كل الحكمة تأتي عبر الكتب.

بعض الدروس تصلنا على هيئة مواقف مؤلمة، وبعض الحكمة تولد من رحم الخيبة.

ومن أكثر التجارب التي تترك أثرًا في النفس تجربة الخذلان.

ذلك الشعور الذي يداهم الإنسان عندما يمنح ثقته لشخص، أو يعلّق أمله على موقف، أو ينتظر دعمًا ممن ظن أنهم الأقرب إليه، ثم يكتشف أن الواقع كان مختلفًا عما توقع.

والحقيقة أن ألم الخذلان لا يأتي دائمًا من حجم الموقف، بل من حجم التوقعات التي بنيناها حوله.

فنحن لا نحزن لأن شخصًا ابتعد فحسب، بل لأننا لم نتوقع منه الابتعاد.

ولا نتألم لأن أحدهم لم يقف معنا فقط، بل لأننا كنا نظن أنه أول الواقفين.

ولهذا كان الخذلان من أشد الآلام النفسية أثرًا؛ لأنه يهز الصورة التي رسمناها في داخلنا عن الآخرين.

لكن السؤال الأهم:

هل الخذلان شرٌّ محض؟

بعد سنوات من التأمل في قصص الناس وتجارب الحياة، أدركت أن بعض الخذلان كان معلمًا أكثر من كونه عقوبة.

فالخذلان يعلمنا أن نتعلق بالله قبل الناس.

ويعلمنا أن نُحسن الظن دون أن نُفرط في التوقع.

ويعلمنا أن قوة الإنسان لا تأتي من كثرة من حوله، بل من الثبات الذي في داخله.

كما يعلمنا أن العلاقات البشرية، مهما بلغت من الجمال، تظل علاقات ناقصة؛ لأن الكمال لله وحده.

وأحيانًا يكشف الخذلان حقائق ما كنا لنراها في أوقات الرخاء.

ففي الشدائد تتضح المعادن.

وتنكشف النوايا.

وتسقط الأقنعة.

ونتعرف على الأشخاص الذين بقوا معنا حبًا، لا مصلحة.

ومن الدروس المهمة التي يمنحها الخذلان أيضًا أنه يعيد الإنسان إلى نفسه.

فبعد أن كان منشغلًا بالآخرين، يبدأ بمراجعة ذاته، واكتشاف نقاط قوته، وإعادة بناء توازنه النفسي والروحي.

ولعل أجمل ما في بعض الخيبات أنها تغلق أبوابًا ظننا أن سعادتنا خلفها، ثم نكتشف بعد مدة أن الله صرفنا عنها رحمةً بنا.

كم من علاقة انتهت فكانت نجاة.

وكم من أمنية لم تتحقق فكانت حماية.

وكم من شخص غادر حياتنا ففتح الله لنا أبوابًا لم نكن نتخيلها.

لا يعني هذا أن الألم غير موجود.

ولا يعني أن التجاوز سهل.

لكن الفرق بين من يتوقف عند الخذلان، ومن يتعلم منه، أن الأول يعيش أسير الماضي، بينما الثاني يحوّل التجربة إلى حكمة.

فليست البطولة في ألا نتألم.

وإنما في ألا يتحول الألم إلى مرارة.

وليست القوة في أن ننسى ما حدث.

وإنما في أن نتذكره دون أن يفقدنا سلامنا.

في نهاية المطاف…

قد لا نختار ما يمر بنا من تجارب، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتعامل معها.

وإذا كان الخذلان قد طرق أبواب حياتنا يومًا، فربما جاء ليأخذ شيئًا، لكنه في المقابل ترك لنا شيئًا أثمن:

النضج.

والبصيرة.

والقرب من الله.

هذة مكاسب لا تقدر بثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى