“باسمه” تكتب لـ”درة” | ما وراء الإعاقة… قدرات تنتظر أن تُكتشف

بقلم / الكاتبة باسمة  

ماذا لو كانت المرأة التي استطاعت أن تدير منزلًا كاملًا، وتبني أسرة، وتكون زوجة وأمًا، وتربي أبناءها وتتابع تعليمهم، وترعى أطفالًا من ذوي الإعاقة، وتدير تفاصيل حياتها اليومية بكل ما تحمله من مسؤوليات… قادرة أيضًا على أن تكون موظفة ناجحة، وقائدة متميزة، وصاحبة إنجاز في بيئة العمل؟

السؤال هنا ليس: هل يستطيع الشخص ذو الإعاقة أن يعمل؟

بل السؤال الأهم: هل منحناه الفرصة ليثبت لنا ماذا يستطيع أن يفعل؟

ففي كل مجتمع طاقات قد لا نراها من النظرة الأولى، ومواهب قد تختبئ خلف صورة نمطية رسمها الآخرون عن أصحابها. ومن أكثر الفئات التي تحتاج إلى أن نعيد النظر في قدراتها، الأشخاص ذوو الإعاقة، الذين كثيرًا ما يُنظر إليهم من زاوية ما ينقصهم، بدلًا من النظر إلى ما يمتلكونه من مهارات وإمكانات.

إن المرأة الكفيفة التي تدير بيتًا وأسرة، وتتحمل مسؤوليات الأمومة، وتتابع أبناءها وتعليمهم، وترعى أطفالًا من ذوي الإعاقة، وتشارك في تفاصيل الحياة اليومية من إعداد الطعام والترتيب والتنظيم والتربية، تقدم نموذجًا حيًا لمعنى المسؤولية والاعتماد على الذات والقدرة على مواجهة التحديات.

هذه ليست مجرد قصة عن امرأة كفيفة، بل رسالة إلى كل من يعتقد أن الإعاقة تعني العجز.

فإذا كان الإنسان قادرًا على إدارة أسرة بكل ما فيها من مسؤوليات، والتعامل مع احتياجات أبنائه، ومواجهة تحديات الحياة اليومية، فلماذا لا نمنحه الفرصة ذاتها ليُثبت قدرته في سوق العمل؟

هنا يأتي دور أصحاب الشركات والمؤسسات.

لا تجعلوا الإعاقة أول ما ترونه في المتقدم للوظيفة، بل اجعلوا الكفاءة أول ما تبحثون عنه.

انظروا إلى المؤهل، والخبرة، والمهارة، والقدرة على التعلم، والالتزام، والإبداع.

فالشخص ذو الإعاقة لا يحتاج إلى فرصة استثنائية، وإنما يحتاج إلى فرصة عادلة.

وقد يكون بين المتقدمين شخص يحمل من الإصرار ما يفوق توقعاتكم، ومن المهارات ما تحتاج إليه مؤسستكم، ومن الخبرة في مواجهة التحديات ما يجعله أكثر قدرة على التعامل مع ضغوط العمل.

إن استقطاب الأشخاص ذوي الإعاقة ليس مجرد مسؤولية اجتماعية تُكتب في التقارير، بل هو استثمار حقيقي في رأس المال البشري، وإيمان بأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن التنوع داخل بيئة العمل قد يصنع حلولًا وأفكارًا وتجارب أكثر ثراءً.

ولذلك، فإن المؤسسات التي تريد أن تكون جزءًا من مستقبل أكثر شمولًا، عليها ألا تكتفي بالحديث عن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، بل أن تمنحهم مواقع حقيقية للمشاركة والإنجاز، وأن تفتح أمامهم أبواب العمل في مختلف المجالات التي تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم.

فقد يكون خلف عصا الكفيف عقلٌ مبدع، وخلف الإعاقة الحركية طموحٌ لا يعرف المستحيل، وخلف كل تحدٍ إنسانٌ يمتلك قصة نجاح لم تبدأ بعد.

القضية ليست أن نسأل: ماذا يستطيع الشخص ذو الإعاقة أن يفعل؟

بل أن نسأل أنفسنا: ماذا خسرنا حين لم نمنحه الفرصة؟

ربما آن الأوان أن نغيّر زاوية النظر.

فلا تنظروا إلى الإعاقة بوصفها نهاية للقدرة، بل انظروا إليها باعتبارها جزءًا من قصة إنسان استطاع أن يتجاوز الكثير، وأن يتعلم، وأن ينجز، وأن يبني، وأن يثبت كل يوم أن الإنسان أكبر من أي وصف يُطلق عليه.

وراء كل إعاقة… قدرة قد لا نراها.
وراء كل قدرة… إنجاز ينتظر فرصة.
وراء كل فرصة… إنسان قد يصنع الفرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى