جينيت: هندسة النصوص وعتباتها

بقلم/ حمود الصهيبي  

في أحد أروقة باريس، حيث تتشابك أفكار العصر وتتصادم الرؤى الفكرية، ولد طفلٌ فرنسي عام 1930م، سيكون له شأن كبير في عالم النقد الأدبي. ذلك الطفل هو “جيرار جينيت”، الذي لم يكن يعلم أحدٌ أنه سيصبح يوماً ما مهندساً للعلاقات النصية، ومكتشفاً للعتبات التي يمر منها القارئ إلى عوالم الكتب. نشأ جينيت في زمن كانت فيه فرنسا تعج بالتحولات الفكرية، حيث كانت البنيوية تفرض نفسها بقوة، وأعلام النقد الجديد مثل “رولان بارت” و “كلود ليفي شتراوس” يعيدون تشكيل خريطة التفكير الإنساني. كان “جينيت” شغوفاً بالنصوص منذ صغره، لكن شغفه لم يكن شغف قارئ عادي يلتهم الكتب، بل شغف مستكشف يحاول أن يفك رموز النصوص، وأن يكتشف القوانين الخفية التي تحكم بناءها. درس الفلسفة والآداب، وتعمق في نظرية السرد، وبدأ رحلته الفكرية التي ستأخذه بعيداً عن المألوف، نحو آفاق جديدة في فهم الأدب وعلاقاته المعقدة.
كان “جينيت” يتأمل النصوص الأدبية، فرأى فيها عالماً لا يكتفي بذاته، بل يعيش في علاقة دائمة مع نصوص أخرى. لاحظ أن كل نص يحمل في طياته آثار نصوص سابقة، وكأنه مخطوط قديم يعاد كتابته مراراً، تعلو فوقه طبقات من المعاني والإشارات والإحالات. هذه الرؤية العميقة هي التي قادته إلى تأسيس نظريته الشهيرة حول العلاقات النصية، والتي عبّر عنها في كتابه الأهم “أطراس” الصادر عام (1982م). تخيل “جينيت ” أن النصوص أشبه بغابة كثيفة، تتشابك فيها الجذور والفروع، وتتداخل الأصوات والصدى. كل نص هو شجرة تنمو في هذه الغابة، لكن جذورها تمتد تحت الأرض لتتصل بجذور أشجار أخرى، وأغصانها تلامس أغصان غيرها، وأوراقها تحمل بصمات الرياح التي هبت على غيرها من الأشجار من قبل. ولهذا، لم يكن غريباً أن يطلق على كتابه اسم “أطراس”، في إشارة إلى تلك المخطوطات القديمة التي تُمسح نصوصها لتُكتب عليها نصوص جديدة، تاركةً أثراً خفياً من الماضي يطل من تحت الجديد.
في رحلته الفكرية، صادف “جينيت” أفكار الفيلسوف الروسي “ميخائيل باختين”، ذلك المفكر الذي تحدث عن “الحوارية” وتعدد الأصوات في الرواية. كان “باختين” قد قال إن أي كلمة ننطق بها ليست كلمة وحيدة، بل تحمل في داخلها أصوات الآخرين، وترددات خطابات سابقة، وتوقعات لاستجابات قادمة. إنها كالنغمة التي تتردد في قاعة كبيرة، فلا تسمعها فقط كما هي، بل تسمع معها صدى الجدران وزوايا المكان. أسس “باختين” مفهومه على مستويين رئيسيين، يتمثل الأول في المستوى التداولي اللساني حيث يرى أن كل تلفظ بشري هو بطبيعته حوارياً، إذ تتشكل الكلمة في تفاعل حي مع كلام الآخرين، وتحمل صدى خطابات سابقة، وتنتظر استجابة في خطابات لاحقة، فلا معنى منعزلاً في اللغة، فالكلمة دائماً موجهة نحو السامع ومتشكلة بفعل ثقافة المجتمع. أما المستوى الثاني فيتمثل في المستوى البنيوي الأيديولوجي حيث يرفض باختين أحادية الصوت في الرواية ويدعو إلى الرواية متعددة الأصوات التي تتسع لتعدد الأيديولوجيات والرؤى للعالم، وتتعايش فيها الأصوات الاجتماعية والفكرية المتباينة متساوية في الحضور دون أن يهيمن صوت المؤلف المطلق. وقد طوّرت “صوفي مويراند” هذا التصور فصنّفت الحوارية إلى بُعدين، أحدهما الحوارية التناصية التي تعني حضور نصوص سابقة داخل النص الحالي عبر الاقتباس واستدعاء آراء الآخرين، والثاني الحوارية التفاعلية التي تعني التبادلات الحوارية المباشرة في سياق التواصل كاستخدام ضمائر المخاطب وأساليب الاستفهام. أعجب جينيت بهذه الرؤية، وأخذ يطبقها على العلاقات بين النصوص، فرأى أن النص الأدبي ليس صوتاً منفرداً، بل مسرح تتجاور فيه أصوات متعددة، وتتصارع فيه خطابات مختلفة، وتتحاور فيه نصوص سابقة ولاحقة وكأنها في ندوة أدبية لا تنتهي.
لم يكتف جينيت بالتنظير العام، بل شرع في رحلة استكشافية داخل النصوص، فقسّم العلاقات النصية إلى خمسة أنماط رئيسية، وكأنه مستكشف يرسم خريطة دقيقة لعالم النصوص الشاسع. تمثل النمط الأول في التناص، وهو الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر، وقد يتجلى في صور متعددة كالاقتباس المباشر حيث يورد الكاتب جملة أو مقطعاً من كاتب آخر بين علامتي تنصيص وكأنه يستضيف ضيفاً كريماً في بيته، أو التضمين حيث يستدعي النص السابق دون الإشارة الصريحة إليه كمن يحدثك عن صديق قديم دون أن يذكر اسمه لكنك تشعر بحضوره، أو السرقة الشعرية التي يرى فيها البعض انتهاكاً ويراها آخرون إشادة خفية بالنص المسروق. أما النمط الثاني فهو: المناص أو النص الموازي، ويتعلق بالعناصر المحيطة بجسد النص والتي تقدمه للجمهور وتوجه قراءته، وتشمل العناوين بأقسامها المختلفة، وأسماء المؤلفين وما تحمله من دلالات وشهرة، والمقدمات والتصديرات التي تفتح النص وتوجه المتلقي، والهوامش والتعليقات التي تشرح النص أو تضعه في سياقه، والغلاف والرسوم التوضيحية وطريقة التجليد التي تبدو هامشية لكنها تؤثر في استقبال النص. كان “جينيت “مفتوناً بالعناوين بشكل خاص، فرأى فيها عتبة أساسية تفتح النص للقارئ، وحدد لها أربع وظائف رئيسية تتمثل في الوظيفة التعيينية التي تمنح النص هوية واسماً مستقلاً وتخرجه إلى الوجود لتمييزه عن غيره من الأعمال، والوظيفة الوصفية التي تعمل على توضيح محتوى العمل أو تحديد موضوعه أو زمانه أو مكانه أو نوعه الأدبي، والوظيفة الإيحائية التي تهدف إلى خلق انطباع عاطفي أو رمزي وتوليد دلالات تعكس جوهر العمل وأسلوبه الفني، والوظيفة الإغرائية التي ترتكز على البعد الجمالي والتسويقي لجذب القارئ وإثارة فضوله ودفعه نحو القراءة والتساؤل. أما التصدير وهو الاقتباس أو الاستشهاد الذي يوضع عادة في رأس الكتاب أو في بداية أقسامه، فقد حدد له جينيت أربع وظائف متداخلة تنقسم إلى مباشرة وغير مباشرة، فمن الوظائف المباشرة التعليق على العنوان حيث يهدف التصدير إلى توضيح أو شرح العنوان خصوصاً إذا كان غامضاً أو رمزياً ليكون بمثابة مبرر له، والتعليق على المتن وهي الوظيفة الأكثر نظامية حيث يعمل التصدير كمفتاح استباقي يوجه القارئ لفهم معاني النص ومقاصده قبل الغوص فيه، ومن الوظائف غير المباشرة وظيفة الحضور والغياب التي تتعلق بمدى امتداد حضور فكرة صاحب التصدير في النص أو غيابه، ووظيفة الكفالة أو الضمان الثقافي حيث يقتبس المؤلف مقولة من كاتب آخر ليس فقط لتوافقها مع نصه بل للاستفادة من هيبة وشهرة صاحب المقولة لتنسحب تلك الشهرة على عمله.
أما النمط الثالث فهو: “النصية الواصفة أو ما وراء النص”، وهي العلاقة النقدية أو التفسيرية التي تجمع بين نصين حيث يتحدث أحدهما عن الآخر ويشرحه ويعلق عليه أو يناقشه دون أن يقتبسه بالضرورة، ومثال ذلك استحضار الفيلسوف هيغل في كتابه “فينومولوجيا الروح” لرواية “ابن أخ رامو” لدينيس ديدرو “بشكل غير مباشر، حيث يضع هيغل الرواية في سياق فلسفي دون أن يورد نصوصها حرفياً. والنمط الرابع هو ” العبورية النصية أو الاتساعية النصية”، وهي العلاقة التي توحد بين نص لاحق يسمى النص المتسع أو النص الفائق، ونص سابق يسمى النص المنحسر أو النص الأصلي، وتتم هذه العلاقة من خلال عمليتي التحويل حيث يعاد صياغة النص الأصلي في قالب جديد كما في المحاكاة الجادة أو الترجيح، والمحاكاة حيث يقلد النص الجديد أسلوب النص الأصلي أو بنيته كما في المهازل أو السخرية. وهذا المستوى هو محور كتاب “أطراس” الذي جعل منه جينيت عمله الأكثر شهرة. أما النمط الخامس والأخير فهو : الجامعية النصية أو معمارية النص، وهي العلاقة الخرساء الصامتة التي لا تظهر إلا في شكل إشارة ملحقية أساسية أو فرعية لتحديد جنس العمل الأدبي وانتمائه النوعي، فقد ينتمي النص إلى جنس روائي أو ملحمي أو مسرحي أو شعري أو مقالي، وهذه التصنيفات تشكل إطاراً مرجعياً يوجه قراءة النص وتلقيه، وقد وصفها جينيت بالعلاقة الخرساء الصامتة لأنها لا تظهر في النص نفسه بل في الإشارات الملحقية التي تحدد هوية العمل، وكأنها القبيلة التي تنتمي إليها والتي تشكل هويتك دون أن تتحدث عنها طوال الوقت.
وهكذا، يظل جيرار جينيت حاضراً في كل مرة نقرأ فيها نصاً ونتساءل عن علاقاته ونبحث عن عتباته ونكتشف أطراسه الخفية، فقد غيّر نظرتنا إلى الأدب وجعلنا نرى في كل نص علاقات مع نصوص أخرى، وفي كل قراءة حواراً مع قراءات سابقة، وفي كل كتابة استجابة لكتابات لاحقة. لقد علمنا جينيت أن النص ليس كائناً منعزلاً بل كائن في علاقة دائمة مع غيره، وأن المعنى لا ينشأ في الفراغ بل يتشكل في شبكة العلاقات النصية، وأن القراءة ليست استقبالاً سلبياً بل رحلة اكتشاف في عوالم متشابكة. في نهاية هذه الرحلة مع جيرار جينيت، ندرك أن النصوص الأدبية تشبه المحادثات التي لا تنتهي، فكل نص يحمل صدى نصوص سابقة ويفتح الباب لنصوص لاحقة ويتحاور مع قرائه في حوارية مستمرة، وكما أن الكلمة الواحدة تحمل في داخلها أصوات الآخرين، فإن النص الواحد يحمل في بنيته علاقات لا حصر لها مع نصوص غيره. رحل جيرار جينيت عن عالمنا عام (2018م)، لكنه ترك خلفه خريطة نقدية ما زالت ترشد القراء والنقاد في رحلتهم عبر متاهات النصوص، فهو مهندس النصوص الذي علمنا أن كل كتابة هي إعادة كتابة، وكل قراءة هي حوار، وكل نص هو محطة في رحلة لا نهائية عبر متاهات الأدب الإنساني.

الهامش

1. رولان بارت فيلسوف فرنسي، ناقد أدبي، دلالي، ومنظر اجتماعي. وُلد في 12 نوفمبر 1915م، في شربور، وأصيب بالسل في مطلع حياته، ونال شهادة في الدراسات الكلاسيكية من جامعة السوريون عام 1939م، ودرس في بوخارست، ومصر، وأصبح أستاذا للسميولوجيا عام 1976م في الكولج دي فرانس، وتعرض لحادث تُوفي على أثره في 25 مارس 1980.
2. كلود ليفي ستروس (28 نوفمبر 1908 – 30 أكتوبر 2009)، عالم اجتماع وأنثروبولوجي فرنسي
3. الحوارية عند باختين: تقوم على مستويين: تداولي لساني (يتعلق بتفاعل الكلمة مع خطابات الآخرين) وبنيوي أيديولوجي (يتعلق بتعدد الأصوات في الرواية)
4. تعتبر صوفي مويراند باحثة ولسانية فرنسية بارزة، وأستاذة فخرية في “علوم اللغة” بجامعة السوربون الجديدة (باريس 3). تشتهر عالمياً بإسهاماتها التأسيسية في تحليل الخطاب ودراسة خطاب وسائل الإعلام.
5. تصنيف صوفي موران للحوارية: قسّمته إلى حوارية تناصيه (حضور نصوص سابقة) وحوارية تفاعلية (تبادلات حوارية مباشرة في السياق التواصل).
6. التناص: استعار جينيت هذا المصطلح من جوليا كريستيفا، ويعني العلاقة التي تقوم على حضور نص داخل نص آخر عبر الاقتباس أو التضمين أو الإحالة.
7. المناص: يشير إلى كل العناصر المحيطة بجسد النص من عناوين ومقدمات وهوامش وغلاف، وقد وصفه جينيت بأنه “عتبة” يمر منها القارئ إلى النص.
8. وظائف العنوان الأربع: حددها جينيت في كتابه “عتبات” الصادر عام 1987، وهي: التعيينية والوصفية والإيحائية والإغرائية.
9. النصية الواصفة: العلاقة النقدية التي تجمع بين نص وآخر يشرحه أو يعلّق عليه، مثل علاقة النقد الأدبي بالنص الأدبي.
10. الاتساعية النصية: مصطلح وضعه جيرار جينيت في كتابه “أطراس” ليشمل جميع العلاقات التي تربط النص بنصوص أخرى، سواء كانت ظاهرة أو خفية.
11. الجامعية النصية: علاقة النص بتصنيفاته النوعية وجنسه الأدبي، وقد وصفها جينيت بأنها “خرساء صامتة” لأنها لا تظهر إلا في إشارات ملحقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى