حين تتحول الخدمة إلى أثر إنساني يلامس الوجدان

في قلب محافظة خليص النابض بالعطاء بمنطقة مكة المكرمة وتحديدًا داخل أروقة مستشفى خليص العام،
تتجلى صورة استثنائية للرحمة الإنسانية.
صورة تتجاوز بمسافات حدود الرعاية الصحية التقليدية، لترتسم في فضاء الاحتواء والاهتمام، صانعةً أثراً حياً لا يمحوه الزمن من ذاكرة القلوب.
خلال زيارتي للمستشفى، حظيت بلقاء
ملهم مع رئيسة قسم خدمة المريض (الأستاذة أشجان صائغ ) لتقودني في رحلة التعرف على مبادرة «حياك» الاستثنائية. مبادرة لم تولد من فراغ، بل انبثقت شرارتها الأولى من عينٍ فاحصة لـ (قسم تجربة المريض) لمحت احتياجاً صامتاً لفئة غالية على قلوبنا جميعاً (كبار السن وذوو الإعاقة) .
أولئك الذين قد تكبلهم المشقة في التنقل بين مختلف أقسام المستشفى وإنجاز المعاملات، وينتظرون بشغف يداً حانية تُمسك بأيديهم، وترافق خطوتهم بكل صبر واحتواء.
ومن هذا المنطلق الإنساني، ولدت مبادرة «حياك» بشراكة استراتيجية مثمرة مع جمعية عطاء للخدمات الصحية لتحدث قفزة نوعية في تجربة المريض وترتقي بجودة الخدمات.
يقود هذا الحراك الإنساني كتيبة من المتطوعين والمتطوعات من أبناء وبنات المنطقة البررة.
يستقبلون كبار السن بابتسامة تأسر القلوب، ويرافقونهم خطوة بخطوة منذ وطأة أقدامهم عتبة المستشفى، مروراً بالعيادات، ومختبرات التحاليل، والصيدلية، وصولاً إلى إتمام رحلتهم ومغادرتهم بسلام حتى باب سيارتهم، يحيطهم في كل ذلك فيض من البشاشة وسعة الصدر.
وفي حواري مع أبطال الميدان، التمست في وجوههم شغفاً يفيض نبلاً لمعنى التطوع. التقيت بالمتطوع الشاب عبدالعزيز البشري، والمتطوعتين الملهمتين يمنى السلمي وأمجاد البشري؛ وكم هزّني حديثهم الذي يتدفق بمسؤولية صادقة وحب حقيقي نابع من أعماقهم لخدمة هذه الفئة الغالية.
التطوع في قاموس هؤلاء الشباب لم يكن يوماً مجرد أرقام وساعات تُسجل في خانة الواجب، بل مواقف إنسانية حية، ودعوات صادقة ودافئة سكبها كبار السن في دروب حياتهم.
تحدثوا بيقين عن الأثر العميق الذي ارتدّ على أرواحهم أولاً، وعن مشاعر الغبطة التي تغمرهم كلما نجحوا في تخفيف مشقة عن مسنٍّ، أو أضاءوا شمعة الفرح في قلب أرهقه المرض ونقص العَون.
إن مبادرة «حياك» ليست مجرد خدمة عابرة للمريض، بل هي رسالة إنسانية مدوية تؤكد أن جودة الرعاية لا تُقاس بمشرط الطبيب أو الوصفة الدوائية فحسب، وإنما بالطريقة التي تُحفظ بها كرامة الإنسان ويُلامس بها قلبه وهو يتلقى الرعاية.
ومن خليص، تصدّر «حياك» لوحة مضيئة ومشرقة تجسد الدور الريادي للشباب والشابات في تنمية مجتمعهم، وتفتح أمامهم نافذة كبرى للتطوع الحقيقي؛ حيث تتحول الطاقة الشبابية إلى عطاء متدفق، والعطاء إلى أثر ملموس، والأثر إلى دعاء صادق
في ظهر الغيب يبقى رصيداً للإنسان في دينه ودنياه.
قد يبدو المشهد في ظاهره بسيطاً كرسي يُدفع،
أو ممر يُشار إليه، أو ورقة تُنجز، لكن وقعها في وجدان شيخ كبير أو امرأة مسنة أعمق وأعظم مما تتخيل الظنون.
وهنا تكمن الحكاية الكاملة لـ «حياك»…
يدٌ تمتد لتربت على الكتف، وابتسامة تزرع الطمأنينة، وقلوبٌ طاهرة اختارت طواعاً أن تكون غيثاً وسنداً للآخرين
