لا تسمح للآخرين أن يطفئوا بريقك

بقلم / أمل بازيد  

نقابل في حياتنا أشخاصًا مختلفين؛ منهم من يرى تميزك فيقدّره، ومنهم من يلهمه نجاحك، ومنهم من لا يستطيع أن يراك متقدمًا دون أن يشعر أن في تقدمك انتقاصًا منه. وهنا تبدأ محاولات خفية لإطفاء ذلك البريق؛ كلمة تقلل من شأنك، أو تعليق يهز ثقتك، أو إيماءة تحمل استصغارًا، أو مقارنة تجعلك تشك في قدرات كنت تعرف جيدًا أنك تملكها.

وليس كل أذى صريحًا؛ فبعضه يأتي في هيئة مزاح، وبعضه يتخفى خلف النصيحة، وبعضه يُقال وكأنه رأي عابر، بينما يترك في النفس أثرًا من التقليل أو التشكيك. وقد تأتي بعض الكلمات لا لتصحح خطأً، بل لتزرع فيك سؤالًا عن قيمة كنت تعرفها جيدًا في نفسك.

وقد قال المتنبي:

«وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفتُه من الفهم السقيمِ»

فليس كل ما يُنتقد فيك موضع نقص، ولا كل حكم يصدر عليك حقيقة ينبغي أن تصدقها؛ فقد يكون الخلل أحيانًا في زاوية النظر، أو في فهم لم يرَ الصورة كاملة.

لكن ليس كل نقد تقليلًا، وليس كل اختلاف غيرة. فالنقد الصادق قد يكون هدية ثمينة، والحكمة أن نميز بين من ينتقد فعلًا ليعيننا على التحسن، ومن ينتقص من شخصنا ليهز صورتنا عن أنفسنا. الأول يريك موضع الخطأ ويحفظ لك قدرك، أما الثاني فيحاول أن يجعلك أنت الخطأ كله.

وهنا يظهر فن الرد.

فالرد ليس سرعة لسان، ولا انتصارًا في كل مواجهة، ولا امتلاك العبارة الأكثر قسوة. فن الرد الحقيقي أن تعرف متى تتكلم، وكيف تتكلم، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام.

يقول الإمام الشافعي:

«إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخيرٌ من إجابته السكوتُ»

لكن الصمت ليس قاعدة مطلقة؛ فهناك مواقف يكون فيها حكمة، وأخرى قد يُفهم فيها على أنه قبول بالتجاوز. لذلك لا يعني النضج أن نصمت دائمًا، كما لا يعني أن نرد دائمًا. أحيانًا تكفي جملة هادئة: «هذا الأسلوب لا أقبله»، وأحيانًا يكون وضع الحدود هو الرد، وأحيانًا يكون الانسحاب من مساحة لا تشبهنا أكثر حكمة من الاستمرار فيها.

وفي مواقف أخرى، يكون أفضل رد أن تستمر.

أن تنجح في المكان الذي حاول أحدهم إقناعك بأنك لن تنجح فيه، وأن تطور نفسك بعيدًا عن الضجيج، وأن تحافظ على ثقتك دون أن تدخل في رحلة مرهقة لإثبات قيمتك لمن اختار ألا يراها.

فالإنسان الواثق لا يحمل إنجازاته معه إلى كل مجلس ليدافع عنها، ولا يشرح قدره لكل من حاول التقليل منه. بعض المعارك لا نربحها بقوة الحجة، بل بعدم الدخول فيها أصلًا. وبعض الردود لا تحتاج إلى كلمات؛ يكفي أن تمضي في طريقك، وأن تصبح أفعالك أكثر وضوحًا من كل ما قيل عنك.

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يحاول الآخر إطفاء بريقك، بل أن تنجح محاولته؛ أن تنتقل كلماته إلى داخلك، فتبدأ بالشك في نفسك، وتصغر أحلامك، وتخفي قدراتك، وتخفف حضورك حتى لا تزعج أحدًا. عندها لا يعود بحاجة إلى تحجيمك، لأنك بدأت تفعل ذلك بنفسك.

فلا تمنح أحدًا هذه السلطة.

استمع إلى النقد دون أن تجعل منه حكمًا نهائيًا عليك، راجع نفسك دون أن تهدمها، وصحح أخطاءك دون أن تفقد ثقتك بما تملك. فمعرفة الإنسان بمواضع ضعفه لا تنتقص منه، كما أن معرفته بقدراته ليست غرورًا.

ولست مطالبًا بأن تنتصر في أعين الجميع، ولا أن تصحح كل فهم خاطئ عنك. يكفي أن تعرف من أنت، وما الذي تعمل من أجله، وألا تسمح لصوت عابر أن يصبح أعلى من صوت معرفتك بنفسك.

قل كلمتك حين تستحق الكلمة أن تُقال، واصمت حين يصبح الصمت أرفع من الجدال، وضع حدودك حين يتجاوز الآخر مساحتك، وابتعد حين يتحول البقاء إلى استنزاف، واستمر حين يكون استمرارك أبلغ من الرد.

فالقوة ليست أن ترد على كل من أساء إليك، بل أن تملك نفسك لحظة الإساءة، ثم تختار موقفًا يشبه قيمك، لا ردًّا يشبه استفزاز الآخرين.

همسة أمل

لا تُطفئ شيئًا جميلًا فيك لأن أحدهم لم يعرف كيف يراه. تقبّل النقد الذي يبنيك، وتجاوز ما يحاول أن يصغّرك، ولا تجعل قيمتك رهينة لنظرة تتبدل أو كلمة عابرة. فبريقك لا يحتاج إلى إثبات، بل إلى وعي يحفظه، وحدود تحميه، وثبات يجعلك تمضي دون أن تفقد نفسك في الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى