رماد الالتفاتة الأخيرة

بقلم / بشرى محمد الحويطات  

اعتدتُ دائمًا أن أسمع موشح ابن الخطيب: «جادَك الغَيْثُ إِذا الغَيْثُ هَما»، غير أني في رحلة بحثي بين أروقة الشعر النبطي المعاصر، وجدتُ أبياتًا للشاعر سالم حمد الملعبي تنقل البعد القديم نحو تجربةٍ وجدانية مختلفة؛ تجربة تقوم على المفارقة، وتفكيك الحزن، وتشريح تحولات الذات بين الوفاء والكبرياء.
يبدأ الشاعر نصّه باستعارة تركيب افتتاحي تقليدي، لكنه يفرغه مباشرة من دلالة السقيا المادية ليحوله إلى مرثية خاطفة لحلمٍ لم يكتمل، حيث يقول:
جادك الغيث يا حلمٍ حلمت و توفى غاب وجهه قبل حتى يوصي وصاته
تتجلى العقدة هنا في شرط الزمان؛ إذ لم يتوقف الفقد عند غياب المحبوب، بل عند غيابه المفاجئ الذي حرم الذات من استقبال أي إشارة أو وصية أخيره، مما يرسخ حالة الصدمة والانقطاع التام.
ثم ينقلنا الشاعر في البيت الذي يليه إلى آلية التقييم الداخلي في لحظة الفراق، موضحًا ثبات القيمة العاطفية رغم الرحيل:
حَط قدره على ميزان صدري و قَفّى كل ما احط بـ الكفه ترجّح غلاته
ورغم المغادرة «وقَفّى»، فإن المعادلة الحسابية للمشاعر تظل غير قابلة للتكافؤ؛ فكلما حاول العقل وضع مبررات أو بدائل في الكفة المقابلة، رجحت كفة المحبة، في إشارة إلى رسوخ المودة بقطع النظر عن سلوك الآخر.
ومن هذا التقييم، يتجه الشاعر بعد ذلك إلى مخاطبة الداخل واستدعاء طاغية الشعور لتفريغ هذا العبء:
حَنّ يا صدري المكبوت حتى تشفّى كل ما تملكه من صبر و انفاس هاته
يأمر الشاعر صدره المكتوم باستنفاد طاقته الشعورية كاملاً حتى يصل إلى مرحلة التفريغ أو التشفي، مستدعيًا كل مخزون الصبر والأنفاس المتبقية، في تصوير جليّ للمكابدة النفسية التي يحاول تفكيكها بالبوح.
ثم يمضي ليصور الصراع بين الرغبة في التجاوز وبين عجز الذات عن مجاراة الآخرين في التعافي:
ودي ارتاح من حمل التعب و اتعفّى ليت لي قلب مثل الناس و يحب ذاته
يطرح الشاعر مقارنة بين بنيته العاطفية وبين الأنماط الشائعة لدى الناس («مثل الناس»)؛ حيث تفترض غريزة حماية الذات النسيان وتفضيل النفس، بينما يحول فرط الوفاء دون الوصول إلى هذا التعافي.
ويتطرق بعد ذلك إلى حركة الذاكرة كفاعل حيوي ينكأ الجراح ولا يستريح:
داعي الذكريات ارهى و كفّى و وفّى جَمّع آخر تفاصيل الوداع و شتاته
فالذكريات لا تأتي متقطعة، بل تعمل بأسلوب منهجي ومستفيض («ارهى و كفّى و وفّى»)؛ حيث لا تكتفي باستعادة المشاهد العامة، بل تعيد تجميع جزئيات الوداع المتفرقة لتصنع مواجهة مكتملة التفاصيل.
ثم ينتقل ليصف تلك الحلقة المفرغة من البحث عن الدفء العاطفي في مظانّ الفقد:
كل ما جيت عن برد الشعور اتدفى ابتدي في تفاصيله و اعدد صفاته
فعند محاولة الاتقاء من صقيع الفراق («برد الشعور»)، لا تتوفر أسباب الدفء إلا عبر استحضار التفاصيل الخاصة بالطرف الغائب وعد ميزاته، فيصبح أسلوب التعافي هو ذاته المسبب لاستمرار العزلة.
ويتبع ذلك ببيان تلك المفارقة المؤلمة في محاولة الهرب من الألم:
وكل ما جيت اصدّ من الحزن و اتخفّى اذكر ان ابتساماتي حدا ذكرياته !
فمحاولة التواري عن ألم الغياب تصطدم بحقيقة أن حظ الذات من الفرح والابتسام كان مرهونًا بالتجربة مع ذلك الغائب، فيصير الهرب من الحزن إلغاءً للحظات السعيدة الوحيدة المسجلة في الذاكرة.
ثم يعرّج الشاعر على الأثر الجسدي والنفسي الشديد الذي يلاحقه حتى في لحظات النوم:
و كل غفوه منام افزّها و اتحفّى ضايعه مثل من يندم على شي فاته
فالنوم لا يؤدي وظيفته في الإراحة، بل يتحول إلى لحظات يقظة مذعورة («افزّها»)، وتشبيه الحالة بمن يلاحق شيئًا فاته يوضح حجم الندم أو الفقد الذي يلاحق الوعي واللاوعي معًا.
ويصل الشاعر في البيت الأخير إلى ذروة الانقسام بين الفعل الظاهري والرجاء الباطني:
أُقْبِل الكبرياء وعقب ما اقفيت قَفّى ليت لي عقب ما صدّيت عَنْه التفاته
يتدخل «الكبرياء» كعامل ضابط يفرض الابتعاد، لكن حضور الكبرياء ينتهي بمجرد تحقق الإقفاء والرحيل. ليأتي الشطر الأخير معريًا هذا الموقف؛ إذ كان الباطن يتمنى لو رافقت ذلك الصد الظاهري التفاتة بسيطة تتدارك ما فات، لتتضح الفجوة العميقة بين ما يمليه الشموخ وما تتمناه الذات.
تكشف هذه القراءة التحليليّة عن بناء متماسك يعتمد على التدرج في تفكيك تجربة الفراق؛ بدءًا من لحظة الانقطاع الأولى، مرورًا بمعادلة الميزان والذاكرة، وصولاً إلى نقطة الختام التي تضع الكبرياء والندم في مواجهة مباشرة. إن قيمة النص تكمن في قدرته على تتبع الحركة الداخلية للذات الشاعرة، وصياغة هذه التحولات النفسية والدلالية بأسلوب متوازن يستند إلى البنية اللغوية للقصيدة النبطية المعاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى