“كلب المراح الأصقه”

بقلم/ حمود الصهيبي  

في كل مراح “كلب حراسة “، وكلب الحراسة وظيفته السمع الحاد والنباح لتنبيه أصحاب الحلال من الذئاب واللصوص. فإذا كان لا يسمع فقد قيمته كحارس. عند راعي ماشية كلب لا يسمع، تعاطف معه وتركه في المراح، لم يكن كلب حراسة ولا صيد، له أذنان كبيرتان لكن لا تلتقطان الصوت ولسان لا يعرف السكون.
وكان في المراح كلب حراسة آخر رابض في مراحه سنين طويلة أدى أمانته حتى صار مثالا للثبات، غير أن الحر والغبار أصاباه فكانت تأتيه نوبة لهاث من طول الوقوف تحت الشمس فيفتح فمه الواسع فتحة بطيئة ليلتقط الهواء ثم يطبقه ويعود إلى صمته الأول.
وكان الكلب الأصقه كلما رأى فم كلب الحراسة مفتوحا توهم أن وراء ذلك الفم نداء وأن خلف تلك الفتحة تحذيرا، لعل سارقا يقترب أو ذئبا يتربص، فينتصب واقفا وينفخ في صدره الهواء ثم يطلق نباحه في الفضاء يسمعه القاصي والداني. فتستيقظ الرعاة على صوته ويخرج الراعي من خيمته وتهرع الأغنام إلى بعضها ويسأل صاحب المراح المجاور عن الخطب: ما الأمر؟ فلا يجدون شيئا، لا ذئب ولا سارق ولا دخيل، فقط كلب حراسة فتح فمه يلهث من الحر وكلب آخر ظن أن الكلب ينبح فينبح هو بدوره.
ويتكرر المشهد كل يوم حتى صار نباحه أضحوكة المراح والبادية. فإذا سئل لماذا تنبح؟ لسان حاله يقول: رأيت كلب الحراسة ينبح فنبحت معه. ولكن كلب الحراسة لم ينبح وما فتح فمه إلا ليلهث من الحر، ثم يعود في الغد إلى ما كان عليه لأن العادة أقوى من العقل ولأن التقليد أسهل من التثبت.
وفي هذا الكلب رمز لكل من يردد ما لا يفهم ويصدق ما لا يتحقق، يرى فما مفتوحا فيظنه صوتا ويرى حركة فيظنها موقفا ثم يرفع عقيرته بالكلام في غير موضعه ويشعل الضجة في غير حاجتها. إن فيه من هو كمثله كلب المراح الأصقه: لا يتبين صحة الخبر فيذيعه خبرا كاملا ويرى إشارة عابرة فيبني عليها حكاية طويلة. لا يسأل من قال ولماذا قال وهل صح ما قال، بل يكفيه أن غيره فتح فمه فيفتح هو فمه أيضا.
ليس كل فم مفتوح ينطق بالحكمة وليس كل صوت مسموع ينبع من وعي. فمن أراد أن يكون صوت حق لا صدى باطل فليتثبت قبل أن يتكلم ويردد الكلام وليعلم أن الصمت الواعي أفضل من نباح بلا سبب. فكم من ضجيج في البادية أصله فم فتحه اللهاث وأذن لم تتبين ولسان أسرع من عقله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى