أيها الأبناء، اتقوا شرَّ العقوق الصامت!

ليس كل عقوقٍ صراخاً أو إساءةً بالقول والفعل؛ فثمة عقوقٌ أكثر خفاءً، وأشد وجعاً، لا تُسمع فيه أصوات الخصام، لكن تُسمع أصداؤه في قلوب الوالدين. إنه العقوق الصامت؛ حين تضع والديك أمام قراراتك، وتجبرهما على تقبّل ما لا يرغبان فيه، ثم تنتظر منهما أن يعلنا الرضا، بينما تخفي صدورهما حزناً لا يريدان أن يحمّلاك أعباءه.
فالعقوق ليس دائماً كلمة جارحة أو يداً تمتد بالإساءة؛ فقد يكون غياباً يتكرر، واهتماماً يتناقص، وقراراً يُفرض، ورضاً يُنتزع، وقلبين يتعلمان بصمت كيف يعيشان بعيداً عن أبنائهما.
الإحسان إلى الوالدين… أبعد من المال والعطاء
الإحسان إلى الوالدين ليس مجرد توفير المسكن والطعام والاحتياجات المادية، ولا يقتصر على اتصال عابر أو زيارة في المناسبات؛ بل هو احتواء واهتمام، وحضور صادق، ومراعاة للمشاعر، وحفظ للكرامة والخاطر.
وقد قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إليهما بعبادته، فقال تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
تأملوا كيف نهى الله حتى عن كلمة «أف»، وأمر بالقول الكريم؛ فكيف بمن يهمل مشاعرهما، أو يفرض عليهما واقعاً لا يرغبان فيه، ثم يظن أنه أدى حقهما لأنه لم يرفع صوته عليهما؟
تذكّروا طفولتكم قبل أن تحكموا على احتياجهما
أيها الأبناء، تخيلوا لو أن والديكم تركوكم في طفولتكم لشهور عند العاملة المنزلية، واكتفوا بتوفير الطعام والملابس والمال، ثم انطلقوا ليعيشوا حياتهم كما يشاؤون، دون أن يمنحوكم وقتاً أو حناناً أو اهتماماً.
كيف كان سيكون شعوركم؟ وهل كانت الماديات ستعوّض غياب حضنهما؟ وهل كانت الهدايا ستملأ فراغ انتظارهما؟
بالطبع لا؛ لأن الطفل لا يحتاج إلى المال وحده، بل يحتاج إلى قلب يحتضنه، ووجه يطمئنه، ويد تمتد إليه حين يخاف أو يتألم.
وهكذا يشعر الوالدان حين تتركونهما في أشد مراحل العمر احتياجاً إليكم. قد لا يحتاجان إلى أموالكم بقدر حاجتهما إلى وجودكم معهم ، ولا إلى هداياكم بقدر حاجتهم إلى الجلوس معكم بحب وإن كان لكم أبناء فسيكون من أقصى أمنياتهم حمل أبناءكم وقضاء الأوقات معهم وقد يفوق احتياجهم لذلك اكثر من احتياجك فهذي سنة الكون أن يكون ابن الابن أحب إلى الأجداد ، حيث سيتذكرانك وكأنهم رجعوا للخلف سنوات كثيرة وأصبحوا شباباً وما أمامهم إلا طفولتك ، أقصى ما يتمنونه في هذه المرحلة هو أن شعرهم بأنهما ما زالا في مقدمة اهتماماتك لا يحتاجان منك المساومة على الحب فهم قد أثبتوا حبهم من قبل برعايتك واحتضانك والوقوف بجانبك بكل لحظة بحياتك وها قد أتى الوقت لكي يروا ثمار جهدهم هل تثمر أم تجحد .
كيف ينسى الأبناء سنوات العطاء؟
ربما اعتاد بعض الأبناء عطاء والديهم حتى ظنوه أمراً مضموناً، وأصبح وجودهما في حياتهم حقيقة لا تحتاج إلى اهتمام. لكنهم ينسون أن العمر يمضي، وأن الصحة تتغير، وأن من كان بالأمس قادراً على خدمتهم قد يصبح اليوم منتظراً لسؤالهم له دون إشفاق فهو فرض وواجب إلهي عليهم قبل كل شيء .
والأشد إيلاماً أن أغلب الوالدين لا يعترضان على غياب أبنائهما، ولا يصرحان بحزنهما، بل يختلقان لهم الأعذار، ويخفون احتياجهم حتى لا يشعروا بأنهم عبء عليهم وليس هذا من البر بشيء إجبار الوالدين على أمور ليسوا راضيين عليها بسبب إصرار ورغبة الأبناء في أمر ما .
وهنا تكمن خطورة العقوق الصامت؛ أن يصبح صمت الوالدين وسيلةً يفسرها الأبناء على أنها رضا، وأن تتحول تنازلاتهما إلى فرصة لمزيد من الإهمال.
احفظ كرامة الوالدين وعزة نفسهم
تجبر عزة النفس الوالدين لإن يخفوا الآلامهم عن أبناءهم فهم يتألمون بصمت ويذرفون الدمع في ظلام الليل عندما يتركهم اولادهم لأسباب دنيوية رفعة، مكانه ، رغبات شخصية عندها ما يمر به الوالدين ولا ينطقان به يسمى العقوق الصامت ، فليس من البر جبرهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لرأيكم فكما هم قدموا اولادهم واحتياجاتهم على انفسهم جاء دورك لتقابلهم بالمثل في وقت هم أكثر حاجة له ، فمن حق الأبناء أن يختلفوا ويتخذوا قراراتهم، ولكن ليس من حقهم أن يتجاهلوا أو يفرضوا قراراتهم دون مراعاة لمشاعر والديه.
البر بالوالدين هو قرارك أنت لوحدك
عند اقتناع بعض الأبناء بأمر ما ويعلم أنه لن يرضي والديه يبدأ في اتخاذ آراء من حوله وسماع القرارات منهم ليتخذ هو القرار الذي يأمل فيه وليخفف بذلك وجع عدم إنصاته لرغبات والديه ، ويبدأ البعض بتقديم أعذاره ويضعها أمام والديه كي يقولا بنهاية الأمر القرار الذي يود فيه ، ناسياً ومتناسباً ان اجر وثواب البر من الله الذي ساوى بين عبادته سبحانه والإحسان إلى الوالدين والعبادات تكون واجبة وفرض ولا يسأل ولا يتخذ رأي أي عبد في فرض .
لا تؤجلوا البر حتى يصبح ذكرى وانتو غرباء
أيها الأبناء، تذكروا قول رسول الله ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة» رواه مسلم.
وجود الوالدين في حياتكم رحمة وبركة لن تعلموا قيمتهم إلا عند القبور ، وقتها لا ينفع الندم والصوت ، فبعض الوالدين يستحوا ان تمنعهم عزة انفسهم ان يطلبوا اهتمامكم وبعضهم يستحي وهو يعبر عن اشتياقه لأبنائه .
وفي الختام…
أيها الأبناء، لا تختبروا صبر والديكم على حساب مشاعرهما، ولا تظنوا أن صمتهما رضا، أو أن تنازلاتهما المتكررة تعني أنهما لا يتألمان.
تذكروا أنكم اليوم أبناء، وقد تصبحون غداً آباءً وأمهات، وحينها ستدركون معنى الانتظار، ووجع الغياب، وقيمة حضور الأبناء.
أحسنوا إليهما وهما بين أيديكم، وامنحوهما من وقتكم قبل أن يصبح الوقت ذكرى.
فيا أيها الأبناء، اتقوا الله في قلوبٍ لم تعرف في حياتها حباً يشبه حبها لكم، ولا تجعلوا آخر ما يتبقى لوالديكم منكم هو الصبر على غيابكم.
مها العزيز