المحليات

خبز المَلّة.. حكاية رغيف من الجمر يحفظ ذاكرة الموروث الغذائي السعودي

دلال الثقفي - الطائف  

يُعد خبز المَلّة أحد أقدم المخبوزات الشعبية التي ارتبطت بحياة الإنسان في الجزيرة العربية، وأحد الأطباق التراثية التي حافظت على حضورها في المائدة السعودية، رغم تطور أساليب الطهي وتنوع المأكولات الحديثة، ليبقى شاهدًا على بساطة حياة الأجداد وثراء الموروث الغذائي الأصيل.

ويحظى خبز المَلّة بمكانة خاصة في محافظة الطائف والقرى الجبلية بمنطقة مكة المكرمة، إلى جانب انتشاره في مناطق أخرى من المملكة، حيث ارتبط قديمًا بحياة البادية والرحلات البرية والمناسبات الاجتماعية، وأصبح رمزًا للكرم والضيافة والألفة بين أفراد المجتمع.

طريقة إعداد تقليدية

ويتميز خبز المَلّة بطريقة إعداده الفريدة، إذ يُصنع من دقيق القمح، المعروف محليًا باسم «البُر»، ويُعجن بالماء مع إضافة الملح، ثم يُشكّل على هيئة قرص سميك، ويُدفن في الرماد الساخن أو الجمر حتى ينضج ويكتسب نكهته المميزة.

وبعد إخراجه من الجمر وتنظيفه من بقايا الرماد، يُقدّم ساخنًا مع السمن البلدي والعسل أو الجبن والتمر، ليشكّل وجبة شعبية تجمع بين المذاق الأصيل وبساطة المكونات.

إرث تتوارثه الأجيال

ولم يكن خبز المَلّة مجرد طعام يسد الجوع، بل ارتبط بذكريات الأجداد وحياتهم اليومية، حين كانت النار وسيلة أساسية لإعداد الطعام، وكانت العائلات تجتمع حولها في مشاهد تعكس روح التعاون والترابط الاجتماعي.

ولا يزال هذا الخبز حاضرًا في بعض الرحلات البرية والتجمعات التراثية، كما يحرص المهتمون بالمأكولات الشعبية على التعريف به ونقل طرق إعداده إلى الأجيال الجديدة، باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية السعودية.

حضور في مبادرات حفظ التراث

وفي خطوة تعكس الاهتمام بالموروث الغذائي الوطني، أدرجت هيئة فنون الطهي عام 2024م خبز المَلّة من محافظة الطائف ضمن مبادرة «مخبوزات المدن المبدعة»، إلى جانب الكليجا من بريدة والخبز الأحمر من الأحساء، بهدف إبراز المخبوزات التقليدية المرتبطة بالمدن السعودية المبدعة.

ويعكس هذا الاهتمام أهمية المحافظة على الأطباق التراثية وإبراز قيمتها الثقافية، بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية ومكونًا من مكونات الهوية السعودية.

أصالة تتجدد

ورغم مرور الزمن وتغير أنماط الحياة، لا يزال خبز المَلّة يحتفظ بمكانته لدى محبي الأكلات الشعبية، مؤكدًا أن الموروث الغذائي السعودي لا يقتصر على النكهات والأطباق، بل يحمل في تفاصيله حكايات الأجيال وقيم الضيافة والبساطة والارتباط بالأرض.

وهكذا يبقى خبز المَلّة أكثر من مجرد رغيف يُخبز على الجمر؛ إنه حكاية تراثية تتجدد، ونكهة أصيلة تختزل جانبًا من تاريخ المائدة السعودية وذاكرة المكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى