بين جفاف الصد وبرزخ الانتظار

بقلم / بشرى محمد الحويطات  

ثمة قصائد لا تمرّ على القلب عابرة، بل تستوطنه، تغير تضاريسه، وتترك في أروقته أثرًا لا يمحوه عبور السنين، وقصيدة الأمير خالد الفيصل “أبي منه الخبر”، هي حالة من الاستلاب العاطفي الكامل؛ تجسيد حيّ للحظة التي يستسلم فيها المرء لسطوة الجمال الطاغي، راضيًا، مستعذبًا لهزيمته، بأسلوب يجمع بين أنفة البدوي ورقة العاشق.

تبدأ القصيدة باعتراف شجّي بالضياع والشتات في فيافي الوجد، وبخيبة أمل قاسية يصطدم بها الشوق، حيث يقول:
“أبي منه الخبر ويقول لله لفي المرسول ما عيّن محلّه
وقلبي تايهٍ من عام الأوّل ألا يا الله يسّر من يدلّه”
في هذا الاستهلال تتجلى ذروة المنع والصد؛ فالعاشق يرسل في طلب “الخبر” والوصل، لكن المرسول يعود حاملاً الامتناع القاطع، فالمحبوب يقول “لله” تعففًا ورفضًا وامتناعًا لا رجعة فيه، حتى تاه الرسول وضاع المحل ولم يجد لإيصال الرجاء سبيلاً.
وأمام هذا الرفض الصارم والمنع المطلق، يبدو الشاعر كمسافرٍ أضله الطريق، فالتيه ليس وليد اللحظة، إنه ممتد “من عام الأول”، تيهٌ مزمن يعيشه القلب المعلق بين جفاء المحبوب وبرزخ الانتظار، فلا يملك حيال إنقاذ النفس من هذا التشتت سوى التضرع والسؤال: “ألا يا الله يسّر من يدلّه”.
ثم ينتقل الفيصل بذكائه التصويري المعهود إلى رسم ملامح الجاني، هذا الذي سلب اللّب واستأثر بالروح رغم تمنعه، فيقول:
“خذاه اللي على خدّه علامه سوادة غيم في شمسٍ مطلّه”
بضربة فرشاة شاعرية مذهلة، يختصر الشاعر صراع الضياء والعتمة على وجه المحبوب؛ فالشامة ليست مجرد تفصيل عابر، إنها “سوادة غيم” رقيقة تعترض جبهة “الشمس المطلة”. هذا التباين البصري المدهش يجمع بين دفء النور الساطع وغموض الغيم الداكن، وهو تصوير يجعل الجمال مهيبًا، آسرًا، وعصيًّا على النسيان.
ويتأمل الشاعر حالة السقوط في حبائل الهوى، فيقول بكبرياء عاشق مهزوم:
“سرقني ما دريت إنه سرقني.. سلبني وأحسب إني فاطنٍ له”.
وفي هذه الأبيات تكمن ذروة العمق النفسي؛ فالسرقة هنا ليست قسرية، بل هي تسلل ناعم، كان العاشق يظن نفسه حذرًا، يراقب قسوة الهوى بعينٍ “فاطنة” ومدركة، لكن الجمال كان أسرع، وأشد مكرًا، لقد سُلبت منه روحه وهو يظن أنه في مأمن، في نوع من “الخديعة الشريفة” التي لا يملك المرء أمامها إلا الانصياع والتسليم.
وعندما تعجز الكلمات، تتحدث العيون بلغة لا تفهمها إلا القلوب المهيأة للاحتراق:
“أنا يوم أرسل عيونه لقلبي عطيته مهجتي والمعطي الله”
لم يكن الحب هنا خيارًا، بل كان استجابة حتمية لـ “سهم” أُرسل من تلك العيون. وأمام هذا الإرسال الساحر، لم يجد العاشق بدًا من الوهب الكامل؛ فقدم “مهجته” التي هي أغلى ما يملك، ملحقًا هذا العطاء بعبارة التسليم الإيمانية العميقة “والمعطي الله”، ليضفي على هذا الحب مسحة من القداسة والرضا بالمقسوم.
ويختم دايم السيف هذه الملحومة الغزلية بتقسيم عادل ومجحف في آنٍ واحد لجمال الكون:
“نصف زين الخلايق في عيونه وباقي الزين في باقيه كلّه”
هنا يصل المديح إلى سدرة منتهاه؛ فالجمال الإنساني كله قُسم إلى نصفين: نصفٌ استأثرت به عينا المحبوب وحدها، والنصف الآخر تفرّق في بقية تفاصيله، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن العالم بلا هذا المحبوب هو فضاء قاحل، وأن الحسن كله قد اختُزل في هذا الكائن الاستثنائي.
إن “أبي منه الخبر” ليست مجرد قصيدة غزلية، بل هي قصة استسلام الروح لسطوة الحسن رغم القسوة والمنع، صاغها الأمير خالد الفيصل بدمع الحيرة والدهشة، فجاءت كلماتها عذبة شجية تناقلتها وحملتها حناجر كثر عبر الأجيال، لتبقى أشبه بنشيدٍ خالد في محراب الجمال، يذكرنا دائمًا بأن أشد أنواع الأسر عذوبة.. هو ذلك الذي نسير إليه بمحض قلوبنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى