شغب القوافي

بقلم : بشرى محمد الحويطات  

مُلفتة هي طرق الشعراء في الانتفاضة على العادات التي ارتسمت، فحوّلت الشعر من مجرد مرآة لتصوير الواقع المعاش كما هو، إلى مطرقة تُعيد تشكيله، تشبه الثورة المهذّبة على بعض المفاهيم التي تكهّن السابقون بأنها حقيقة مطلقة، وكأنهم أصواتٍ تتمرد على الركود، وتأبى أن تستسلم لما ترسّخ في الذاكرة الجمعية من إحباطاتٍ أو بديهيات؛ ففي ديوان العرب لم تكن القوافي يوماً مجرد أوزان، بل كانت مواقفَ تُعيد تعريف الحياة، والخضوع، والأمل، وحتى الطبيعة نفسها.
فمثلاً عاش الناس قروناً يترنمون ببيت أبي الطيب المتنبي، مستسلمين للغيم والقدر:
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدْرِكُهُ … تَجْرِي الرِّياحُ بِما لا تَشْتَهِي السُّفُنُ
كان البيتُ ملاذاً لكبرياء الحزين، وحجةً للمستسلم، لكنّ روح الثورة الشاعرية تأبى أن تظل الإرادة البشرية رهينةً لتلابيب الهواء؛ فانتفض شاعرٌ آخر ليحطم أغلال هذا الإحباط، محولاً شراع السفينة إلى يدٍ تُحرّك الكون، فقال بكبرياءٍ يطال السحاب:
تجري الرياحُ كما تجري سفينتنا … نحن الرياحُ ونحنُ البحرُ والسُّفُنُ
ولأنَّ التمرد البشري قد يجمح نحو الغرور، جاءت انتفاضةُ الصدق والمشاعر الإيمانية العميقة لتضع الحقيقة في نصابها الأجمل، فلا عجزٌ مُستسلِم، ولا غرورٌ مدَّعٍ، بل يمارس الشاعر تسليماً يفيض بالسكينة والجمال، قائلاً:
تجري الرياحُ بما شاءَ الإلهُ لها … للهِ نحنُ وموجُ البحرِ والسُّفُنُ
هكذا يرسم الشعراء صراع الفكر الإنساني: من الاستسلام، إلى التحدي، وصولاً إلى اليقين المطلق.
ولم تتوقف الثورة عند حدود الحكمة والفلسفة، بل امتدت لتطال الأمثال الشعبية التي نسجها الأوّلون وصدّقها الآخرون دون قيد أو شرط. فكم طربت الآذان للمثل القائل: “من طول الغيبات جاب الغنايم”، وكأن الغياب ثروة، والجفاء مكسب، غير أن الروح العاطفية لدى الشاعر الحقيقي لا يخدعها بريق الشكليات؛ هنا يصرخ الواقع على لسان الشاعر رافضاً التزييف، وواضعاً الأصبع على جرح الحقيقة المسكوت عنه، قائلاً:
من طوّل الغيبات عنده حبايب … ما عاد فيها يا بعد حيي غنايم
إنها لفتةٌ تمحو الوهم، وتقرر أن الغياب العمد ليس جَلْباً للغنائم، بل هو كشفٌ للبدائل وسقوطٌ للأقنعة، وكم من غائب غاب عنك لم يعد ولم تعد أمتعته، الواقعية في المشاعر هي الأصدق وإن كانت مؤلمة؛ فليست كل الأمور تُرى بعين المُحب؛ فمَن يُريدك سيأتيك وإن كانت بينكما وحوش الأرض وأنسها.
ولم يسلم حتى العلم والفيزياء من تمرد المخيلة الشاعرية؛ فالأكسجين الذي استقر في الأذهان كشرطٍ أزليٍّ للحياة، ومادةٍ يستوي في استنشاقها جميع البشر، تحوّل في نظر الشاعر إلى مجرد هواءٍ عاديّ لا ميزة له، ما لم يُكْتَب بلغة العاطفة. يقول الشاعر بلال الماضي معيداً صياغة سر الوجود بأسلوبٍ يتجاوز المنطق إلى ما هو أعمق من المنطق:
الأكسجين الحقيقي شوفة عيونك … ولا الهوى شي عادي دايم نشمّه
هنا تبلغ الثورة أوجها؛ حيث يُسْقِط الشاعر قوانين الأحياء، ويجعل من عينيها رئةً بديلة، ومن الحبّ أكسجيناً هو وحده من يمنح الهواء معناه.
إن ثورة الشعراء ليست مجرد ترفٍ لغوي، بل هي إعادة صياغة للوعي الإنساني إنهم يأخذون المفاهيم المترسخة التي كادت تصيب العقول بالركود، ويقلبونها حجراً على حجر؛ ليثبتوا لنا في كل مرة أن الحقيقة ليست ما نراه بأعيننا، بل ما نلمسه بأرواحنا في سحر القوافي.
ختاماً، ليس الشعرُ سوى قيامةٍ بيضاء تُبعثُ فيها المفاهيمُ في أجسادٍ من نور؛ هو الانقلابُ الناعمُ الذي لا يرتديه سيفٌ بل قصيدة، ولا يستبيحُ أرضاً بل يفتحُ أفقاً، لقد أثبتَ حُرّاسُ القوافي أنَّ الكلمةَ حين تشهقُ بالجمال، تتكسرُ على أعتابِها حُكامُ البديهيات، فتتحولُ هزائمُ البحرِ إلى عرشٍ من إرادة، ويغدو الخفوقُ المَلْكِيُّ أعذبَ من قوانين الهواء، وتنكشفُ ظلالُ الغيابِ لتبوحَ بالسرِّ العتيق، وهكذا يظلُّ الشعرُ زفيراً للهوى وشهيقاً للتمرد، يقلبُ ظنونَ الأوّلين، ويكتبُ على جدارِ السحاب: إنَّ الوجودَ لا يُقاسُ بما ثَبَت، بل بما هزَّ قلوبَنا فأنطقَه الشُّعَراء، وكأنهم بهذا كسروا المألوف بفأس القصيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى