ديمة الشريف تكتب لـ”درة” | دلق القهوة خير في مصر

تحت ظلال دالية كرمٍ عتيقة تتسلق جداراً من الفسيفساء الملون في أحد مقاهي القاهرة الحاضنة للوجوه، اهتز الفنجان الأبيض في لحظة ذهولٍ عابرة.
انسابت قطرات القهوة السمراء اللامعة، لتخطَّ فوق سطح الطاولة الخشبية المعتّقة مساراتٍ عشوائية، قبل أن تنزلق بهدوء وتستقر في جوف الأرض الكريمة. في مصر الحبيبة، لا يمر هذا المشهد العفوي بكاءً على مسكوب، بل تتردد في أرجاء المكان عبارة دافئة تولد معها الابتسامة: “دلق القهوة خير”.
إنها تميمة تفاؤل شعبية، تتجاوز العزاء الصغير عن خسارة الفنجان، لتغسل اللحظة من شائبة الأسف وتملأ قلوب الحاضرين بالرضا والقبول.
لكن في هذه الحادثة البسيطة يذهب بنا إلى عمقٍ أكثر شاعرية ونبلًا؛ إذ لا ترى في انسكاب الفنجان مجرد مصادفة جافة، بل تلمح فيه طقساً خفياً من طقوس الكرم الإنساني غير المخطط له.
إنه تجلٍ بديع لكائنٍ يفيض بالحب، حتى إن هفواته غير المقصودة تتحول إلى عطاء.
في تلك اللحظة، يعود الإنسان دون وعي منه ليمارس فضيلة الجود، فيكرم الأرض التي تحمله وتحتوي خطواته بسكب أثمن ما يدثر به خلوته: قهوته الدافئة، المصنوعة بجهد ونفَس طويل.
الأرض المصرية التي طالما غمرت بني البشر بخيراتها الممتدة عبر آلاف السنين، تجد في هذه السقطات العفوية لمسة من الوفاء والامتنان والصلة المتبادلة.
كأن الفنجان المندلق تحية صامتة وسجدة شوق تساق إلى التراب على مهل، لتمتزج بمسامات الأرض الطاهرة وتمنحها صكاً من المودة والألفة.
إنها رحلة ارتداد البذرة إلى منشئها، حيث تعود حبات البن التي نبتت يوماً في رحم الطمي لتتحد به مجدداً، حاملةً معها أنفاس الجالسين، وأسرار حكاياتهم، وحرارة أمنياتهم المعقودة مع خيوط البخار الصاعد.ما ألطف الإنسان في بلاد النيل حين تُهذب الفطرة النقية سلوكه، فيصيغ من النقص وفرة، ويقلب الخطأ كرماً، ويجعل من فنجانٍ أخطأ طريقه إلى الشفاه بشارة خير تبهج أرواح العابرين! في تلك الزاوية النائية من المقهى، لم يعد انسكاب القهوة هدراً، بل أضحى فصلاً مجيداً من فصول اليوميات الحالمة، يذكرنا بأن أجمل العطايا وأصدقها هي تلك التي تخرج من جوارحنا بلا تخطيط أو رياء، لتسقي الأرض حباً، وتترك في نفوسنا أثراً دافئاً لا يمحوه تعاقب الأيام.