خالد العمار يكتب لـ”درة” | لماذا أصبح الذكاء العاطفي ضرورة ؟

في إحدى المؤسسات، ارتكب موظف جديد خطأً في إدخال بيانات أحد العملاء، فتسبب ذلك في تأخير إنجاز عدد من المعاملات. انتشر الخبر سريعًا بين الموظفين، وبدأ الجميع يتوقع أن يستدعي المدير الموظف ويوبخه أمام زملائه، كما يحدث في كثير من بيئات العمل.
دخل الموظف مكتب المدير وهو يحمل في داخله الخوف والقلق، وما إن جلس حتى فوجئ بسؤال لم يكن يتوقعه:
“ما الذي أوصلك إلى هذا الخطأ؟”
ساد الصمت للحظات، ثم أجاب الموظف: “كنت مترددًا في طلب المساعدة، وخشيت أن يظن زملائي أنني غير مؤهل للعمل.”
ابتسم المدير وقال: “الخطأ الذي نتعلم منه أقل تكلفة من موظف يخشى أن يسأل.”
انتهى اللقاء دون صراخ أو لوم، لكن المدير لم يكتفِ بمعالجة الخطأ، بل اكتشف أن المشكلة الحقيقية ليست في الموظف، وإنما في غياب برنامج واضح لتأهيل الموظفين الجدد ، وبعد أيام، أُعد دليل للعمل، ووُضع برنامج للتوجيه والإرشاد، ولم تتكرر المشكلة مرة أخرى.
هذه القصة لا تتحدث عن التساهل مع الأخطاء، بل عن الذكاء العاطفي؛ ذلك النوع من الذكاء الذي يجعل الإنسان يفهم المشاعر قبل أن يصدر الأحكام، ويبحث عن الأسباب قبل أن يوجه اللوم، ويحول المواقف الصعبة إلى فرص للتعلم والتحسين.
في عالم اليوم، لم يعد النجاح المهني مرتبطًا بالمعرفة وحدها، فالكثير من الأشخاص يمتلكون المؤهلات والخبرات، لكنهم يعجزون عن بناء فرق عمل ناجحة أو إدارة العلاقات أو التعامل مع الضغوط. ولهذا أصبح الذكاء العاطفي أحد أهم المهارات التي تبحث عنها المؤسسات عند اختيار القيادات وصناعة بيئات العمل الصحية.
فالذكاء العاطفي لا يعني إخفاء المشاعر أو تجنب الحزم، بل يعني إدارة المشاعر بحكمة. فالقائد الذكي عاطفيًا يعرف متى يستمع، ومتى يتحدث، ومتى يصحح الخطأ، ومتى يقدم الدعم. وهو يدرك أن احترام الإنسان لا يتعارض مع محاسبته، وأن بناء الثقة يحقق نتائج أفضل من صناعة الخوف.
ولا تقتصر أهمية الذكاء العاطفي على بيئة العمل، بل تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الأبناء كيفية التعبير عن مشاعرهم، واحترام اختلاف الآخرين، وضبط انفعالاتهم. كما تمتد إلى المدارس والجامعات، وتظهر في أسلوب الحوار داخل المجتمع، وحتى في طريقة تفاعلنا عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولعل أجمل ما في الذكاء العاطفي أنه ليس موهبة حكرًا على فئة معينة، بل مهارة يمكن اكتسابها وتنميتها بالممارسة؛ من خلال حسن الاستماع، والتفكير قبل ردود الأفعال، وتقبل النقد، والقدرة على رؤية المواقف من منظور الآخرين دون التخلي عن المبادئ.
وفي النهاية، يبقى النجاح الحقيقي ليس في أن تكون الأكثر معرفة، بل في أن تعرف كيف تتعامل مع نفسك قبل أن تتعامل مع الآخرين. فالمؤهلات قد تفتح لك الباب، لكن الذكاء العاطفي هو الذي يجعلك تحافظ على مكانتك، وتكسب احترام الناس، وتترك أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الكلمات