حمود الصهيبي يكتب لـ “درة”| اللغة بين الصرخة والبناء السردي

يقول الشاعر ملك حداد: “أنا لا أكتب بل أصرخ ألماً”. في هذه العبارة الموجزة يتكشف تناقض عميق يمس جوهر اللغة ذاتها: هل هي أداة تواصل باردة، أم أنها واحةٌ للوجدان المتأجج؟ بين اعتباطية العلامة اللغوية التي نادى بها فرديناند دو سوسير، وبين عنف اللغة الذي كشف عنه جان جاك لوسركل، يبرز السؤال الأزلّي: هل اللغة مجرد نظام من الإشارات الاصطلاحية، أم أنها حاملة لبقايا تحفيزية تفيض عن وظيفتها التواصلية؟
ذهب دو سوسير إلى أن العلامة اللغوية اعتباطية محضة، تربط الدال بالمدلول رابطاً غير مبرر، والدليل على ذلك تعدد اللغات البشرية وتنوع أنظمتها اللفظية المعبرة عن واقع واحد. وقد قيد اللغة بالوظيفة التواصلية والإبلاغية بين الناس، ورأى أنها ظاهرة اعتباطية لا تحفيز فيها ولا تبرير. لكن هذا الطابع المزدوج الذي يميز العلامة اللغوية، والذي يوحد بين الصورة الذهنية والصورة السمعية، لا يفسر تماماً كيف يمكن للغة أن تتجاوز حدود الإبلاغ إلى آفاق الإبداع والتأثير. في هذا السياق، يقدم جان جاك لوسركل في كتابه “عنف اللغة” نقلة نوعية، حيث يرى أن في اللغة مستويات من التحفيز، وأن هذا التحفيز هو “الباقي من اللغة”، وهذا الباقي هو ما يتجلى في مستويات النظام والألفاظ والخطاب. فإذا كانت العلامة اللغوية اعتباطية في أصلها، فإن استعمالها في السياقات السردية يضفي عليها أبعاداً تحفيزية تتجاوز مجرد الإبلاغ.
هنا يأتي دور بوريس توماشيفسكي، أحد أبرز منظري الشكلانية الروسية، الذي قدّم رؤية مختلفة تماماً عن النص الأدبي. فكرته المحورية تقوم على أن العمل الأدبي يمكن تشريحه إلى وحدات صغرى، وأن طريقة ترتيب هذه الوحدات هي ما يخلق المعنى والتأثير الفني. هذا التصور يحيلنا من اعتباطية العلامة إلى بنائية النص، ومن اللغة كوظيفة إلى اللغة كفن. يُقسّم توماشيفسكي النص الأدبي إلى عناصر أساسية: فالموضوع هو المعنى العام الذي تجمعه عناصر العمل، ويمكن تقسيمه إلى وحدات أصغر فأصغر حتى نصل إلى الموتيف وهو “جُزَيء المادة الموضوعية الذي لا يمكن تحليله أكثر”، وعادةً ما يحمله جملة بسيطة أو فعل واحد. أما الفرق بين القصة والحبكة فهو جوهري، فالقصة هي مجرى الأحداث كما تحدث بترتيبها الزمني والسببي الطبيعي، وهي المادة الخام، بينما الحبكة هي الطريقة التي “يعيد بها المؤلف ترتيب وتقديم” أحداث القصة في النص لخلق تأثير فني معين. بتعبير آخر، القصة هي “ماذا حدث” والحبكة هي “كيف عُرض علينا ما حدث”.
صنّف توماشيفسكي الموتيفات وفق معيارين أساسيين. فحسب تأثيرها على الأحداث، نجد الموتيف الديناميكي وهو ما يُغيّر في مسار الأحداث ويُحرّك الحبكة، بينما الموتيف الثابت لا يؤثر على تطور الأحداث بل يضيف وصفاً أو يخلق جواً. وحسب ضرورتها للحبكة، نجد الموتيف المرتبط الذي لا يمكن حذفه لأنه أساسي لتماسك القصة، بينما الموتيف الحر يمكن حذفه دون التأثير على الجوهر لكنه يُستخدم لأغراض جمالية أو أسلوبية. وحدّد توماشيفسكي ثلاثة أنواع رئيسية للدافع الذي يبرر وجود كل موتيف: فالدافع التركيبي يُبرر وجود الموتيف بكونه ضرورياً لتطور الحبكة، وكأنه قاعدة تشيخوف التي تقول: “إذا علقت بندقية على الحائط في المشهد الأول، فلا بد أن تطلق في المشهد الثالث”. أما الدافع الواقعي فيُبرر وجود الموتيف بجعله العمل مقنعاً في نظر القارئ، فهو يضيف تفاصيل تجعل العالم السردي يبدو حقيقياً ومتماسكاً وفق قوانينه الداخلية. والدافع الجمالي يُبرر وجود الموتيف بكونه غاية في حد ذاته، يخدم جمالية النص وفنيته، حتى لو لم يخدم الحبكة ولا الواقعية.
من هنا نصل إلى فكرة جوهرية: الخطاب السردي ليس خطاباً اعتباطياً، بل خطاب يقوم على الاحتمالات السردية المنطقية. فالاحتمال السردي هو وظيفة تقبل التحقق وتقبل عدم التحقق، ولا بد من فاعل مساعد وفاعل معرقل، ونتائج في مقام النهاية، لتطوير الخطاب السردي نحو الإيجاب أو السلب. هذا التصور يقودنا إلى نموذج “تزفيتان تودوروف”، الذي يصف البناء الأساسي لأي قصة من خلال خمس مراحل رئيسية: تبدأ بحالة التوازن الأولى حيث تعرض الشخصيات والعالم كما هم عليه، ثم يأتي الخلل أو الاضطراب بدخول قوة أو حدث جديد يُخلّ بهذا التوازن، ثم يُدرك الشخصيات المشكلة وتسعى لحلها، وتتصاعد الأحداث نحو الذروة، ثم تأتي محاولات استعادة النظام لإصلاح الضرر، وأخيراً نصل إلى حالة التوازن الجديدة حيث تنبثق حالة استقرار تختلف عن الأولى بعد حل المشكلة كلياً أو جزئياً.
نعود إلى مقولة ملك حداد: “أنا لا أكتب بل أصرخ ألماً”. فإذا كانت اللغة اعتباطية في جوهرها، فإن الاستعمال الأدبي لها يحوّلها إلى خطاب قائم على الاحتمالات المنطقية والضرورات الفنية. فالموتيفات تتشكل في نظام الحبكة بدوافع تركيبية وواقعية وجمالية، لتخلق رحلة من التوازن إلى الخلل وإلى توازن جديد. وهكذا، يتجاوز الخطاب السردي حدود الإبلاغ المحض إلى أفق التعبير المتجذر في الاحتمالات السردية، حيث يُنتقل النص الأدبي من كونه مجرد رسالة إلى كونه عالماً قائماً بذاته، له قوانينه الداخلية ومنطقه الخاص. فالصرخة التي يتحدث عنها حداد ليست خروجاً عن اللغة، بل هي تجلٍّ لأقصى درجات التحفيز الكامن في أعماقها، حين تصير الكلمات أكثر من مجرد إشارات، وتتحول إلى وقائع روحية تلامس عمق الوجود الإنساني..