د: هادي بن رسام القحطاني يكتب لـ “درة”| في وداع أمي

يحتار الفكر، وتعجز الكلمات، وأنا أكتب في وداع أمّي، هدباء حسين القحطاني، رحمها الله. هل أكتب أنها كانت موطنَ السعادة، ومصدرَ الأُنس، وينبوعَ الحنان، وكان وجودها يفيض على حياتنا دفئًا وبهجةً. أم أكتب كيف كانت مدرسةً في التربية والبذل والتضحية والعطاء، وخيرَ معلّمٍ لأبنائها وبناتها؛ غرست في نفوسهم القيمَ الإسلامية، والمحافظةَ على الصلاة، والتوكّلَ على الله، وحبَّ الوطن وولاةِ الأمر، وربّتهم على مكارم الأخلاق، وصلةِ الرحم، والثباتِ على المبادئ والقيم الأصيلة. أم أكتب كيف كانت لينةَ الجانب، طيبةَ المعشر، مثالًا في الحكمة والصبر، والوفاء لأرحامها وصديقاتها وجاراتها؛ لا تفتأ تصلهم، وتسأل عن أحوالهم، وتحفظ لهم الودَّ على مر السنين حتى توفاها الله.
ومع يقيني بأن كلماتي تبقى دون مقام والدتي الغالية، جاءت هذه القصيدة المتواضعة أستحضر فيها بعضًا من مآثرها الكريمة، وأدوِّن شيئًا من جميل خصالها، مدركًا أنني، مهما اجتهدت، فلن أوفيها حقها، وكيف لي بذلك؟
عزاؤنا أنها أفضت إلى ربٍّ رحيمٍ يجازي بالكثير على القليل، ورحمتُه وسِعَت كلَّ شيء وهي أرجى لنا ولها. نسأل الله أن يجزيها عنّا خير الجزاء، وأن يتغمَّدها بواسع رحمته، وأن يجعل ما أصابها رفعةً لدرجاتها وتكفيرًا لسيئاتها، وأن يُسكنها الفردوس الأعلى من الجنة، إنه سميعٌ مجيب.
تَفَجَّرَتِ الْمَشَاعِرُ بَعْدَ كَبْتٍ فَآذَنْتُ لَهَا بِالِانْعِتَاقِ
وَحَطَّمَتِ الْقُيُودَ بِكُلِّ عُنْفٍ فَحَدَّرَتِ الدُّمُوعُ مِنَ الْمَآقِي
أَكَادُ أَجُنُّ مِنْ فَقْدِي لِأُمِّي وَمَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَلَاقِي
إِذَا السُّلْوَانُ قَارَبَنِي تَجَلَّتْ لَهُ الذِّكْرَى فَيَجْفِلُ عَنْ لِحَاقِي
تَعَاظَمَنِي الْخُطُوبُ فَأَسْتَعِيذُ بِرَبِّي مِنْ فَدَاحَةِ مَا أُلَاقِي
فَصَبْرًا أَيُّهَا الْمَكْلُومُ صَبْرًا وَلَا تَجْزَعْ لِلَوْعَاتِ الْفِرَاقِ
عَسَى قَبْرٌ بِنَاحِيَةٍ لِنَجْدٍ تُظَلِّلُهُ السَّحَائِبُ وَالسَّوَاقِي
حَوَى مَنْ كَانَ فِي دُنْيَايَ نُورًا حَوَى قَلْبِي وَأُنْسِي وَاشْتِيَاقِي
وَرُوحًا بِاللَّطَافَةِ قَدْ تَحَلَّتْ تُرَقْرِقُ رِقَّةَ الْمَاءِ الرَّقَاقِ
فكَانَتْ رَحْمَةً تُضْحِي وَتُمْسِي تُظَلِّلُنَا كَبَيْتٍ ذِي رِوَاقِ
وَكَانَتْ جَنَّةً نَأْوِي إِلَيْهَا وَنَشْرَبُ مِنْ مَنَاهِلِهَا الدَّفَّاقِ
نَهِلْنَا الدِّينَ وَالْأَخْلَاقَ مِنْهَا كَصَافِي الدَّرِّ حُلْوٍ فِي الْمَذَاقِ
وَحُبَّ وُلَاتِنَا مَعَ حُبِّ أَرْضٍ سَمَتْ بَيْنَ الْكِنَانَةِ وَالْعِرَاقِ
تُسَابِقُ فِي الْفِعَالِ وَفِي الْعَطَايَا كَصَافِنَةٍ مِنَ الْخَيْلِ الْعِتَاقِ
تَصِلُ رَحِمًا وَتَعْطِفُ بِالْيَتَامَى وَتَغْرِسُ بَيْنَهُمْ رُوحَ الْوِفَاقِ
لَهَا عَقْلٌ يَزِنُ جَبَلًا وَرَأْيٌ لَهُ قَصَبُ الصَّدَارَةِ فِي السِّبَاقِ
إِذَا نَطَقَتْ فَنَحْوَ الْحَقِّ تَنْحُو وَتَمْقُتُ ذَا الرِّيَاءِ وَذَا الشِّقَاقِ
وَقَدْ حَمَلَتْ شَدَائِدَ فِي صِبَاهَا يَنُوءُ بِحَمْلِهَا جَمْعُ الرِّفَاقِ
فَمَا وَهَنَتْ وَكَانَ الْعَزْمُ صُلْبًا وَشَدَّتْ مِنْ تَجَلُّدِهَا النِّطَاق
وَقَدْ جَاءَ الْخَرِيفُ فَلَمْ تُبَالِ بِأَدْوَاءٍ سَرَتْ حَتَّى التَّرَاقِي
تَقُولُ: الْحُكْمُ حُكْمُكَ يَا إِلَهِي وَرَاضِيَةً، وَلِلَّهِ الْمَسَاقِ
وَقَدْ وَفَدَتْ إِلَى مَنْ كَانَ دَوْمًا مَلَاذُ الْخَائِفِينَ وَخَيْرُ وَاقٍ
وَإِنِّي رَاجِيًا فِي فَضْلِ رَبِّي وَفَضْلُ اللَّهِ مُمْتَدٌّ وَبَاقِي
يَلُمُّ شَتَاتَنَا بَعْدَ افْتِرَاقٍ وَفِي الْفِرْدَوْسِ نَنْعَمُ بِالتَّلَاقِي