الثقافية

في اليوم العالمي للمتاحف.. التقنية تعيد إحياء التاريخ

حوار: أكابر الأحمدي  

طفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات التقنيةتظل المتاحف من أهم الحصون الثقافية التي تحفظ ذاكرة الإنسان وهويته الحضارية فلم تعد مجرد أماكن تُعرض فيها القطع الأثرية بل تحولت إلى مؤسسات معرفية وإنسانية نابضة بالحياة تربط الماضي بالحاضر ومع الاحتفاء بـ اليوم العالمي
“18 مايو ” للمتاحف تتجدد أهمية المتاحف بوصفها ركيزة للتعليم، ومنصة للحوار الحضاري، ورافداً مهماً للسياحة الثقافية والتبادل المعرفي وفي هذا السياق، يؤكد يوسف محمد كيكي، المشرف العام على متاحف الطيبات، أن هذه المناسبة تمثل دفعة معنوية ومهنية للباحثين والمهتمين بالتراث، خاصة مع مشاركة آلاف المتاحف حول العالم في فعاليات متنوعة تهدف إلى تعزيز الوعي بقيمة المتاحف ودورها الحضاري.

ويشير “كيكي” إلى أن الاحتفاء بهذه المناسبة لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يشمل فتح أبواب المتاحف أمام الجمهور عبر المحاضرات والجولات الثقافية والفعاليات التعليمية، إلى جانب استعراض أحدث تقنيات العرض والحفظ والترميم، ما يجعلها فرصة حقيقية للتعلم المفتوح وتبادل الخبرات وبناء العلاقات المهنية بين المختصين من مختلف دول العالم.

وعن واقع المتاحف اليوم، يوضح” كيكي” أن هذا القطاع يواجه تحديات متسارعة، أبرزها جذب الجيل الجديد في ظل الانشغال بالتقنية والمحتوى السريع، الأمر الذي يتطلب تطوير أدوات وأساليب حديثة تقدم تجربة أكثر تفاعلاً وتأثيراً. كما تواجه المتاحف تحديات مالية مرتبطة بارتفاع تكاليف الحفظ والترميم والتشغيل، إضافة إلى التحديات المتعلقة بالتغير المناخي والكوارث الطبيعية والرقمنة وحماية المقتنيات التاريخية.

ورغم هذه التحديات، يرى “كيكي “أن المتاحف الحديثة استطاعت إعادة تعريف دورها بصورة أكثر ارتباطاً بالمجتمع، فلم تعد أماكن لحفظ الماضي فقط، بل أصبحت مؤسسات تسهم في صناعة المعرفة وإنتاج الثقافة وتعزيز الهوية الوطنية. ومن هنا، انتقل المتحف من “العرض الصامت” إلى “التجربة الحية” التي توظف التقنيات التفاعلية والوسائط الحديثة لسرد التاريخ بطريقة أقرب إلى وجدان الإنسان المعاصر.
ويؤكد كيكي أن التقنية والذكاء الاصطناعي أحدثا تحولاً جذرياً في تجربة الزائر، من خلال استخدام الواقع الافتراضي والواقع المعزز لإحياء المشاهد التاريخية، إلى جانب تطوير مرشدين رقميين قادرين على التفاعل مع الزوار والإجابة عن استفساراتهم بلغات وأساليب تناسب مختلف الأعمار والاهتمامات كما أسهم الذكاء الاصطناعي في دعم أعمال الترميم وتحليل التلف والتنبؤ بالمشكلات المستقبلية، فضلاً عن رقمنة المقتنيات وإتاحتها للباحثين والمهتمين حول العالم.

وفي جانب آخر، يلفت “كيكي” إلى أن نجاح المتحف اليوم بات مرتبطاً بقدرته على جذب الأطفال والشباب عبر تحويل الزيارة إلى تجربة تفاعلية قائمة على المشاركة والأنشطة الحية، من خلال توظيف الألعاب التعليمية، والورش الحرفية، والتقنيات البصرية، وربط التراث بالحياة اليومية للأجيال الجديدة بما يعزز ارتباطهم بهويتهم الثقافية بطريقة عصرية ومؤثرة.

كما يشدد على أن المتاحف لم تعد مؤسسات ثقافية فحسب، بل أصبحت شريكاً تعليمياً حقيقياً يرسخ مفهوم “التعليم غير الصفي”، إذ تمنح الزائر فرصة التعلم بالمشاهدة والتجربة والتحليل، وتسهم في تنمية التفكير النقدي والمهارات الإبداعية، إلى جانب شراكاتها المتنامية مع الجامعات والمدارس ومراكز الأبحاث.

وفي السياق ذاته، يؤكد” كيكي” أن القطع الأثرية تمثل “شهوداً صامتة” على التاريخ، لما تحمله من مصداقية مادية تحفظ تفاصيل الحياة الإنسانية عبر العصور، وتسد الفجوات التي قد تعجز الروايات المكتوبة عن توثيقها، مشيراً إلى أن المتحف يؤدي دوراً عميقاً في ترسيخ الانتماء الوطني، لأنه يحول التاريخ من معلومات جامدة إلى تجربة حية يشعر بها الإنسان ويتفاعل معها بصورة مباشرة.

وعن البعد الاقتصادي، يوضح “كيكي” أن المتاحف أصبحت من أهم محركات السياحة الثقافية، إذ تتحول بعض المتاحف إلى وجهات رئيسية يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم، لما تقدمه من تجربة ثقافية وإنسانية ثرية، الأمر الذي ينعكس على تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم القطاعات المرتبطة بالسياحة، مثل الفنادق والمطاعم والحرف اليدوية وخدمات الإرشاد والنقل.

وفي ختام حديثه، يؤكد” كيكي” أن الأمم التي تهمل متاحفها تفقد جزءاً من ذاكرتها وهويتها الحضارية، لأن المتحف ليس مجرد مبنى يضم مقتنيات أثرية، بل هو ذاكرة وطن وجسر ثقافي يربط الأجيال بتاريخها، ويمنح الإنسان القدرة على فهم ماضيه وصناعة مستقبله بثقة ووعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى