كل حكاية رحلة… إلى أين تمضي السينما السعودية؟

تكبير الخط ؟
في دورته الثانية عشرة لا يقدّم مهرجان أفلام السعودية نفسه بوصفه فعالية عرض سينمائي تقليدية بل كمرآة تعكس حالة مشهد سينمائي يتسع بوتيرة متسارعة تفوق في بعض جوانبها قدرة هذا المشهد على تثبيت ملامحه الجمالية والصناعية بصورة نهائية
وتحت شعار «كل حكاية رحلة» يظل السؤال المركزي حاضرًا إلى أين تتجه هذه الرحلة وأي مسار ترسمه السينما السعودية في مرحلتها الراهنه
_كتلة رقمية
تظهر أرقام الدورة حجم هذا الاتساع إذ استقبل المهرجان 314 مشاركة بينها 249 فيلمًا و65 مشروعًا لسوق الإنتاج قبل أن تُختار 27 فيلمًا للمنافسة الرسمية و50 فيلمًا للعرض من أكثر من 15 دولة
هذه المؤشرات لا تقرأ فقط بوصفها نموًا كميًا بل تطرح تساؤلًا جوهريًا هل يعكس هذا التوسع طفرة نوعية في التجربة السينمائية أم أنه يسبق اكتمال البنية الفنية والصناعيةَ القادرة على استيعابه
_تموضع خليجي
الحضور الخليجي في هذه الدورة يبرز بشكل لافت ويكاد يهيمن على بعض المسابقات خصوصًا في فئة الأفلام القصيرة التي جاءت كاملة من الخليج بـ13 فيلمًا من 13
وهنا يبرز تساؤل مزدوج هل نحن أمام نضج طبيعي لصناعة إقليمية آخذة في التشكل أم أمام حالة تمركز جغرافي يعيد إنتاج نفسه داخل نطاق محدود رغم اتساع الخطاب الانفتاحي للمهرجان
_بنية الاختيار
في مسابقتي الأفلام الطويلة والوثائقية يتواصل الحضور الخليجي القوي غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الجغرافيا بل يمتد إلى منطق البرمجة والاختيار
فوجود أعمال مثل «هجرة» و«باب» و«سعّود وينه؟» يفتح سؤالًا أكثر عمقًا هل تقوم البرمجة على رؤية قادرة على خلق حوار جمالي بين هذه التجارب أم أن عرضها يتم في إطار تجاور لا ينتج تفاعلًا نقديًا أو فنيًا بينها
_تكريم المنصور
تكريم المخرجة هيفاء المنصور في هذه الدورة يتجاوز البعد الاحتفائي ليحيل إلى لحظة تأسيس في مسار السينما السعودية غير أن هذا التكريم يطرح سؤالًا موازياً أين يقف الجيل السينمائي الجديد اليوم وهل نجح المهرجان في تقديم أسماء موازية قادرة على الاستمرار أم أنه ما زال يعتمد على رموزه المؤسسة في ترسيخ حضوره
_اقتصاد التطوير
سوق الإنتاج الذي استقبل 65 مشروعًا واختار 13 منها يعكس توجهًا نحو دعم مرحلة ما قبل الفيلم أي لحظة التكوين الأولى للفكرة السينمائيةلكن السؤال الذي يفرض نفسه إلى أي مدى تتحول هذه المشاريع إلى أفلام مكتملة تصل إلى الجمهور بدل أن تبقى في مساحة التطوير المفتوح
_ثقافة الصناعة
البرنامج الثقافي للمهرجان الذي يناقش قضايا التمويل والمنصات الرقمية وشباك التذاكر والميزانيات المحدودة يكشف اتساع دائرة الأسئلة المرتبطة بالصناعة السينمائية
ويبقى التساؤل الأهم هل تمتلك السينما السعودية اليوم أدوات نقدية واقتصادية قادرة على مواكبة هذا النمو المتسارع أم أن وتيرة الإنتاج تتقدم على البنية التحليلية والتنظيمية المصاحبة له
_شعار المهرجان
شعار «كل حكاية رحلة» يظل مفتوح القراءة على أكثر من مستوى هل يشير إلى رحلة الفيلم داخل الصناعة أم إلى رحلة الصناعة نفسها في بحثها المستمر عن هويتها النهائية
خاتمة
في المحصلة يبدو مهرجان أفلام السعودية في دورته الثانية عشرة أقرب إلى مختبر مفتوح لصناعة في طور التشكل لا إلى مشهد مستقر مكتمل الملامح لكن الاختبار الحقيقي لا يرتبط بحجم المشاركة أو تنوع البرامج بل بقدرة هذا الحراك على إنتاج أثر جمالي واضح واتجاه يمكن قراءته نقديًا ويبقى السؤال مفتوحًا هل تقترب السينما السعودية من لحظة اكتمال ملامحها أم أنها لا تزال في منتصف رحلة تعريف ذاتها.


