أباحسين يستعيد ذاكرة الصحافة الثقافية.. ويبوح لنادي وسم الثقافي بقراءة في صراعات الماضي والحداثة ومستقبل المهنية الإعلامية

تكبير الخط ؟
في رحلةٍ استثنائية عبر ذاكرة الصحافة السعودية، استعاد رئيس تحرير صحيفة «اليوم» الأسبق، الأستاذ سليمان أباحسين، محطات مفصلية من تاريخ الصحافة الثقافية في المملكة، مستعرضًا التحولات التي شهدتها الصفحات الثقافية، ودور الملاحق الصحفية في تشكيل الوعي الأدبي، وما صاحبها من سجالات فكرية بين التيارات الثقافية، وصولًا إلى التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية على الممارسة الصحفية المعاصرة.
جاء ذلك خلال الأمسية الثقافية التي نظمها نادي وسم الثقافي بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بالدمام تحت عنوان «الصحافة المحلية وصفحات الثقافة»، وأدارها المهندس سعد الشبرمي رئيس نادي وسم الثقافي، وسط حوار استعاد تجارب مهنية وثقافية أسهمت في تشكيل جانب مهم من المشهد الصحفي والثقافي في المنطقة الشرقية.
*الصحافة بين ذاكرة الورق وتحديات الفضاء الرقمي*
وفي قراءته لواقع الصحافة اليوم، أشار أباحسين إلى التراجع الذي يراه في مستوى المهنية لدى بعض المنصات الإلكترونية مقارنة بما عرفته الصحف الورقية المحلية من تقاليد تحريرية وممارسات مهنية.
وأكد أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل يتطلب المحافظة على أصول المهنة، وتعزيز جودة المحتوى، والاهتمام بالانفرادات الخبرية، والصياغة التحريرية الرصينة التي تمنح العمل الصحفي قيمته ومصداقيته.
وتوقف عند التغير في عادات القراءة، وما فرضته المنصات الرقمية من أنماط جديدة في تلقي الأخبار والمحتوى، مشددًا على أن التحدي الحقيقي أمام الصحافة لا يتمثل في وسيلة النشر بقدر ما يتمثل في قدرتها على إنتاج محتوى مهني يستحق المتابعة ويصمد أمام سرعة التدفق المعلوماتي.
*«المربد».. حين صنعت الملاحق ذاكرة الثقافة*
واستعاد أباحسين جانبًا من التاريخ الثقافي للصحافة السعودية، متناولًا تجربة الملاحق الأدبية والثقافية، وفي مقدمتها ملحق «المربد»، الذي وصفه بأنه محطة بارزة في تاريخ المشهد الثقافي السعودي خلال منتصف السبعينيات الميلادية.
وأوضح أن الملحق، الذي صدر في ثماني صفحات باللون الأخضر، تجاوز حدود النشر الصحفي المعتاد ليصبح مساحة فاعلة في تشكيل الوعي الثقافي، ونافذة للأدباء والمثقفين في مدن ومحافظات المنطقة الشرقية، ومنها الأحساء والقطيف والدمام والجبيل.
كما استعرض أثر استقطاب الأدباء والمثقفين العرب في المراحل المبكرة من تجربة صحيفة «اليوم»، وما أتاحه حضورهم من تلاقح للأفكار واتساع في الرؤية الثقافية، إلى جانب التحولات اللاحقة التي شهدتها الصحف، مع الانتقال من الملاحق المستقلة إلى الصفحات المتخصصة، مثل «اليوم الثقافي».
*الحداثة والتقليد.. صفحات ثقافية على خط المواجهة*
ولم تغب التحولات الفكرية عن الأمسية؛ إذ تناول أباحسين السجالات التي شهدتها الصفحات الثقافية السعودية بين التيار التقليدي وتيار الحداثة، موضحًا أن تلك الصفحات لم تكن مجرد مساحات لنشر النصوص والإبداعات، بل تحولت إلى ساحات للنقاش والاختلاف حول اتجاهات الكتابة والتجديد ومفهوم الثقافة.
وأشار إلى الحضور المؤثر لتيار الحداثة، وما رافقه من صدامات فكرية مع التيار التقليدي، في مرحلة أسهمت في إعادة تشكيل ملامح الخطاب الثقافي المحلي.
وفي سياق استحضاره لأسماء تركت أثرًا في الثقافة بالمنطقة الشرقية، ذكر عددًا من الأدباء والمثقفين، من بينهم محمد الدميني، ومحمد العلي، ومحمد عبيد الحربي، وهاني جبير المليحان، والعديد من المثقفين الذين كان لهم بصمة على صفحات الثقافة بصحيفة «اليوم».
*خمسون عامًا في بلاط الصحافة*
واستعرض أباحسين محطات من مسيرته الصحفية الممتدة لنحو خمسين عامًا، متنقلًا بين تجارب مهنية ومؤسسات إعلامية متعددة، بدءًا من صحيفة «المدينة»، مرورًا بعمله في صحيفة «اليوم»، ثم توليه إدارة تحرير صحيفة «عكاظ» في المنطقة الشرقية والخليج تحت قيادة الدكتور هاشم عبده هاشم.
وتطرق إلى تجربته في تغطية حرب الخليج الثانية، بعد أن سبق له تغطية حرب الخليج الأولى لمصلحة صحيفة «اليوم» من العاصمة العراقية بغداد، وهي محطات عكست طبيعة العمل الصحفي الميداني وما يتطلبه من حضور ومتابعة في الأحداث الكبرى.
كما تحدث عن انتقاله إلى الشركة السعودية للأبحاث والنشر في لندن مطلع التسعينيات، وما أتاحته تلك المرحلة من فرص للتخطيط والمشاركة في إطلاق إصدارات جديدة، والتفاعل مع تجارب صحفية متنوعة ضمت كفاءات من لبنان ومصر ودول المغرب العربي.
واختتم استعراض مسيرته بالحديث عن عودته إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، ثم انتقاله نائبًا لرئيس تحرير صحيفة «اليوم» إلى جانب رئيس التحرير محمد الوعيل، وصولًا إلى توليه رئاسة تحرير الصحيفة، التي وصفها بأنها بيته الأول.
*المؤسسات الصحفية.. بين الإدارة والتحرير*
وتطرق اللقاء كذلك إلى نظام المؤسسات الصحفية الصادر عام 1964، مستعرضًا ما وفره من هياكل تنظيمية شملت مجالس الإدارة والجمعيات العمومية والأجهزة التحريرية، وما رافق تطبيقه من تحديات انعكست على طبيعة العمل الصحفي.
وأشار أباحسين إلى أن انشغال بعض القيادات الصحفية بالمهام الإدارية والمالية، بما فيها متابعة الإعلانات والمصروفات، قد يحد من الوقت المتاح للتفرغ للتحرير وتطوير المحتوى، رغم ما شهدته صحف سعودية، من بينها «الرياض» و«عكاظ» و«اليوم»، من اهتمام بالصفحات الثقافية خلال مراحل مختلفة.
*حوار يستعيد التجربة ويفتح أسئلة المستقبل*
مثّلت الأمسية مساحة للحوار حول العلاقة بين الصحافة والثقافة، واستعادة التجارب التي أسهمت في بناء الذاكرة الأدبية المحلية، ومناقشة التحولات التي طرأت على المهنة بين زمن الملاحق الورقية واتساع المنصات الرقمية.
وأكدت محاور اللقاء أن تاريخ الصحافة الثقافية لا يُقرأ بوصفه سجلًا للنشر وحده، بل باعتباره جزءًا من تاريخ التحولات الفكرية والإبداعية في المجتمع، ومرآة للعلاقة بين الكاتب والصحفي والقارئ.
وبين ذاكرة «المربد» وأسئلة الصحافة الرقمية، أعادت أمسية «الصحافة المحلية وصفحات الثقافة» طرح سؤال جوهري: كيف تستطيع الصحافة مواكبة تغير الوسائل، من دون أن تفقد تقاليدها المهنية ودورها في صناعة الوعي الثقافي؟
وفي ختام اللقاء كرم المهندس سعد الشبرمي رئيس نادي وسم الثقافي ضيف اللقاء الأستاذ القدير سليمان أباحسين وتم إلتقاط الصور التذكارية..




