ما بعد الصبر إلا الفرج

ليست كل الطفولة متشابهة، فهناك من نشأ بين أسرة كبيرة تملأ المنزل دفئًا وضحكات، وهناك من كتب الله له أن يبدأ حياته في ظروف مختلفة، يصنع فيها من الوحدة قوة، ومن الصبر طريقًا إلى النجاح.
عشت طفولتي في قرية صغيرة تُدعى الصفيري شمال محافظة حفر الباطن، حيث كنت أدرس المرحلة الابتدائية. لم يكن يرافقني في تلك القرية سوى جدتي – رحمها الله – وكانت هي عالمي كله. امرأة كبيرة في السن، بذلت ما تستطيع من حب ورعاية، لكنها لم تكن قادرة على أن تمنحني ما كنت أفتقده أكثر من أي شيء آخر: الأُنس.
كان الليل بالنسبة لي ثقيلًا كأنه لا ينتهي. فما إن تغيب الشمس حتى تبدأ رحلة الوحدة. تنام جدتي مبكرًا، وأبقى وحدي في ذلك السكن البسيط، أتأمل الجدران والفراغ من حولي، فلا أم تضمّني، ولا أب يطمئن عليّ، ولا أخ أو أخت يشاركونني الحديث، ولا قريب يبدد وحشة الليل. لم يكن يؤنسني سوى الصمت، وأحيانًا أصوات الحشرات والعقارب التي كانت تزيد المكان رهبة.
كنت أنتظر شروق الشمس بشغف، لا لأنني جائع أو عطشان، بل لأنني سألتقي بأصدقائي. معهم كنت أنسى كل شيء؛ ندرس، ونلعب، ونضحك حتى يحين وقت المغرب، ثم يعود كل واحد منهم إلى منزله، إلى أمه وأبيه وإخوته، بينما أعود أنا إلى وحدتي. كنت أغبطهم على تلك النعمة العظيمة التي ربما لم يشعروا بقيمتها، نعمة الأسرة المجتمعة.
ورغم كل ذلك، لم تكن جدتي مقصرة. كانت تقدم لي كل ما تستطيع، وتحيطني بحنانها، لكنها كانت تدرك أن الطفل لا يعيش بالطعام وحده، بل يحتاج إلى دفء العائلة وصوتها وحضورها.
ومن أشد المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، احتراق غرفة جدتي، تلك الغرفة التي كانت تضم كل ما نملك من متاع ومال بسيط. كان مشهدًا مؤلمًا، لكن أهل القرية ضربوا أروع الأمثلة في التكافل؛ هرعوا لإخماد الحريق، ثم بادروا بالتبرع ومساعدتنا. يومها رأيت كيف يمكن للمجتمع أن يكون أسرة كبيرة حين تحل الشدائد.
ومضت السنوات… عشر سنوات كاملة وأنا وجدتي نعيش تلك الحياة، حتى انتقلنا إلى محافظة حفر الباطن. وهناك تبدل كل شيء. لأول مرة شعرت أنني بين أسرتي، وأنني أعيش الدفء الذي كنت أحلم به طويلًا. سألت والدتي يومًا: لماذا تركتموني؟ فأجابت بكلمات لا تزال ترن في أذني: “حتى تتعلم… أردناك أن تكون المتعلم في العائلة.”
حينها أدركت أن خلف الألم كانت هناك غاية، وخلف الصبر كانت هناك حكمة.
واصلت دراستي، وأنهيت المرحلة الثانوية، ثم تخرجت من الجامعة، وتشرفت بالعمل معلمًا، ثم واصلت مسيرتي حتى أصبحت إعلاميًا. وكلما تذكرت تلك الليالي الموحشة، ازددت يقينًا أن الله لا يضيع صبر الصابرين.
أما جدتي – رحمها الله – فقد رحلت وأنا ما زلت في الجامعة. كانت تسألني ببساطتها: “إلى الآن ما خلصت الدراسة؟” لم تكن تعرف أن الطريق طويل، لكنها كانت تدعو لي في كل مرة، وكانت تلك الدعوات أعظم زاد حملته في حياتي.
إنني لا أروي هذه القصة بحثًا عن الشفقة، وإنما لأقول لكل شاب وفتاة يمران بظروف قاسية: لا تجعلوا بداياتكم تحكم على نهاياتكم. فقد تكون المعاناة بداية لقصة نجاح، وقد يكون الصبر هو الجسر الذي يعبر بكم إلى مستقبل لم تتخلوه.
واليوم، عندما ألتفت إلى الماضي، أحمد الله على كل لحظة ألم، لأنها صنعت مني إنسانًا يعرف قيمة الأسرة، ويقدر نعمة الاجتماع، ويؤمن بأن بعد العسر يسرًا، وأن بعد الصبر فرجًا.
رحم الله جدتي، وجزى كل من وقف معنا في تلك الأيام خير الجزاء، وحفظ الله لكل إنسان أسرته ومن يحب؛ فبعض النعم لا يعرف الإنسان قيمتها إلا بعد أن يعيش يومًا واحدًا من دونها. [email protected]