حمود الصهيبي يكتب لـ”درة” | “إشكالية ‘الراوي العليم’: مقاربة نقدية”

كثيراً ما كنت أتوقف أمام مصطلح “الراوي العليم” في كتب النقد الأدبي، وأشعر بذلك الثقل الخفي الذي لا أستطيع تسميته، كأن الكلمة تحمل في طياتها أكثر مما تقوله، أو كأنها تسحبني إلى منطقة لا تنتمي إلى النقد وحده، بل إلى شيء آخر، شيء يلامس حدود الإيمان واللغة والحساسية الثقافية في آن. وكنت أسأل نفسي في صمت: لماذا نشعر بهذا الاستغراب ونحن نقرأ هذا المصطلح، بينما لا نشعر به حين نقرأ مصطلحات نقدية أخرى؟ هل لأننا نترجم المصطلح كما هو دون أن ننتبه إلى أصوله اللاهوتية؟ أم لأن ذاكرتنا اللغوية تجعلنا نسمع في كلمة “العليم” أكثر من مجرد صفة، بل اسماً من أسماء الله الحسنى، وهل يحق لنا أن ننسب هذه الصفة إلى راوٍ يكتب رواية يعرف أنها مجرد حبر على ورق؟
ثم تساءلت: هل النقاد العرب الذين استعملوا هذا المصطلح كانوا واعين تماماً بحمولته الدينية؟ أم أنهم كانوا مجرد ناقلين أمينين للمصطلحات الغربية، يترجمون الحرف دون أن يترجموا الروح، وكأن الترجمة عندهم عملية ميكانيكية لا تتطلب مراجعة نقدية للسياق الثقافي الجديد الذي ستحل فيه هذه المصطلحات؟ وهل يمكننا أن نلومهم على ذلك، ونحن نعيش في مرحلة كان الهم الأساسي فيها هو اللحاق بالغرب واستيراد مناهجه، وليس الإنتاج النقدي المستقل؟
ثم أخذتني الأفكار أبعد من ذلك، فتساءلت: هل نحن أمام إشكالية لاهوتية بحتة، أم أن الأمر يتعلق بمنهجية النقد العربي في التعامل مع المصطلحات الوافدة؟ فالمصطلح نفسه في الثقافة الغربية نشأ في سياق لاهوتي – مسيحي، لكنه تحول مع الزمن إلى مصطلح نقدي علمي يفصل بين اللاهوت والأدب. فهل يمكن أن نفعل نحن الشيء نفسه، أن نأخذ المصطلح ونفصله عن جذوره اللاهوتية، ونتعامل معه كأداة تحليلية خالصة؟ أم أن حساسيتنا الإسلامية تجعل هذا الفصل مستحيلاً، لأن اللغة العربية تحمل في طياتها ذاكرة دينية لا يمكن تهميشها بهذه السهولة؟ وهل الفصل المطلوب ممكن أصلاً في أي لغة، أم أن كل مصطلح يحمل تاريخه الثقافي معه أينما ذهب؟
ولكن الأسئلة الأكثر إلحاحاً كانت حول البدائل: إذا كنا نرفض مصطلح “الراوي العليم”، فماذا نقترح بدلاً منه؟ وهل البديل المقترح سيكون دقيقاً من الناحية النقدية بنفس الدرجة؟ وكيف يمكننا أن نوازن بين الدقة النقدية والحساسية الثقافية في صياغة المصطلحات الجديدة؟ وهل هناك مصطلح عربي خالص يمكننا استعارته من تراثنا النقدي ليحل محل هذا المصطلح المستورد، أم أننا مضطرون إلى ابتكار مصطلحات جديدة من رحم اللغة العربية؟
وفي خضم هذه الأسئلة، شعرت بأن الأمر يتجاوز مجرد كلمة، وأنه ينتمي إلى مشكلة أكبر: مشكلة العلاقة بين النقد الأدبي والدين في الثقافة العربية، وهل يمكن للنقد أن يبقى علمانياً محايداً في سياق تتداخل فيه اللغة بالدين بشكل عضوي؟ أم أن علمانية النقد ليست خياراً متاحاً في ثقافتنا، وعلينا أن نطور نقداً أدبياً يعترف بحضور الدين كأحد أبعاد الثقافة، بدلاً من أن يتظاهر بأنه محايد تجاهه؟
كما وصلت إلى سؤال أخير كان الأكثر عمقاً: هل إصراري على مراجعة هذا المصطلح هو مجرد حساسية مفرطة تجاه ما هو ديني، أم أنه محاولة لاستعادة قدرة النقد العربي على التسمية من موقعه الخاص، عوضاً عن الاستيراد السلبي للمصطلحات؟ بمعنى آخر، هل سؤالي عن المصطلح هو في الحقيقة سؤال عن الهوية النقدية العربية، وعن قدرتها على أن تكون فاعلة ومنتجة، وليس مجرد وعاء فارغ يستقبل ما يأتي من الغرب دون تمحيص أو نقد؟
في سياق البحث عن بديل لمصطلح “الراوي العليم” الذي يحمل إشكالاً دينياً في الثقافة العربية، أقترح في هذا المقال مصطلح “الراوي الصفري”، المستمد مباشرة من نظرية السردي الفرنسي جيرار جينيت، وتحديداً من مفهوم “التبئير الصفري” في كتابه “خطاب الحكاية” (1972) م، حيث يعني هذا المفهوم أن الراوي يتمتع بمعرفة غير محدودة، لا يقيده منظور معين، وقد أطلق عليه جينيت وصف “الصفري” لأنه يمثل الدرجة الصفرية من التقييد المعرفي، أي غياب الحدود لا العدم أو النقصان. وهذا المصطلح، إضافة إلى دقته التقنية وحياده الثقافي التام وإيجازه، يُعد نقلاً وفياً للمصطلح “الجينيتي”، وبهذا الاسم نكون قد تجاوزنا إشكالية “الراوي العليم” من جذورها، بالعودة إلى المنظومة الاصطلاحية التي ولد فيها المفهوم، دون التخلي عن الدقة التقنية أو تجاهل خصوصية السياق الثقافي.
“وهكذا، حين نقول ‘الراوي الصفري’ بدلاً من ‘الراوي العليم’، فإننا لا نغير اسماً فحسب، بل نغير زاوية الرؤية كلها: من لاهوت السرد إلى تقنياته، من قداسة المصطلح إلى دقته، من التبعية للترجمة إلى الإنتاج المستقل. ليس المهم أن يتفق الجميع على المصطلح الجديد، بل المهم أن يبدأ النقاش حول سلطة التسمية في النقد العربي. لأن من يسمي يملك، ومن يملك أن يسمي يملك أن يفكر من موقعه.”
في نهاية هذا التأمل، أدركت أن الأسئلة التي أثارها هذا المصطلح لا تقل أهمية عن أي نظرية نقدية جديدة، لأنها تمس جوهر العلاقة بين النقد والثقافة، وبين اللغة والدين، وبين الاستيراد والإنتاج، وبين الترجمة الحرفية والترجمة الروحية. وأيقنت أن السؤال عن المصطلح ليس مجرد سؤال لغوي، بل هو سؤال وجودي في المعنى، عن كيف نفهم العالم، وكيف نصنع أدواتنا الفكرية من موقفنا الخاص، وكيف نكون في آن واحد منفتحين على الآخرين وموفيين لخصوصيتنا.