المستشار القانوني/ مشاري بن محمد ال هديش يكتب لـ “درة”| الطرف الآخر للفضيلة

بقلم / المستشار القانوني/ مشاري بن محمد ال هديش  

الجودُ فضيلة، والبخلُ رذيلة، والإقدامُ فضيلة، والجُبنُ رذيلة، والحِلمُ فضيلة، والجهلُ رذيلة. وجميع مكارم الأخلاق فضائلٌ نقائضها رذائل. وهذا أمرٌ يُدرك بالفطرة ولا يحتاج إلى كثير تأمل، غير أن ما يستحق الوقوف عنده أن غير الصفة وضدّها منزلةً أخرى قد يقع فيها الإنسان وهو يظن أنه يفرّ من النقص نحو الكمال، فإذا به يتجاوز حدّ الفضيلة حتى تنقلب في يده إلى رذيلة.

فلو تخيّلنا نقطتين متجاورتين؛ سمّينا الأولى “البخل” والثانية “الكرم”، فإن من أراد التحلي بالفضيلة سيتجه نحو الكرم، لكنه قد يبالغ في هروبه من البخل حتى يتجاوز حدّ الكرم إلى الإسراف والتبذير، فينتقل من رذيلةٍ كان يخشاها إلى رذيلةٍ أخرى لم ينتبه إليها.

وهكذا فإن الفضائل غالباً تقع بين طرفين مذمومين، فالشجاعة وسطٌ بين الجبن والتهوّر، والحِلم وسطٌ بين الغضب والمهانة، والصدق وسطٌ بين الكذب والوقاحة. فليست الفضيلة في مجرد الاتجاه نحو الخير، بل في معرفة حدّه الذي لا يتحول معه الخير إلى نقيضه.

وهذا المعنى حاضرٌ أيضاً في الشريعة الإسلامية، فالانحراف إلى طرف الغلوّ مذموم، كما أن التهاون والترك مذموم، ولذلك جاءت الدعوة إلى الوسطية والاعتدال. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فالوسط ليس منزلة بين الحق والباطل، وإنما هو بلوغ الحق دون زيادة تُفسده أو نقصٍ يُضيّعه.

ولهذا قيل في القاعدة الجامعة: “لا إفراط ولا تفريط”، فلا إفراطٌ يُخرج الفضيلة عن معناها، ولا تفريطٌ يُضيّع أصلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى