حمود الصهيبي يكتب لـ “درة”| نموذج “جيرارد جينت” في التحليل السردي

بقلم / حمود الصهيبي  

يقف نموذج جيرارد جينت في التحليل السردي كأحد أهم الأدوات المنهجية التي تتيح للدارس والناقد فهم بنية العمل السردي من داخله، بعيداً عن التشويش الذي تسببه العوامل الخارجية. ذلك أن جينت قدّم تصوراً شاملاً يغطي عناصر السرد الأساسية، مركزاً على الزمن بامتداده واتجاهه، فالزمن في رؤيته ليس مجرد تسلسل أحداث، بل هو علاقة معقدة بين زمن الحكاية وزمن السرد، وما ينبثق عن ذلك من استرجاعات واستباقات، وما تستغرقه المدة الزمنية من امتداد في النص. وهذا التحليل الدقيق للزمن يمنح القارئ القدرة على تتبع حركة الرواية في مستوياتها المختلفة، ويدربه على ملاحظة كيف يتلاعب السارد بالزمن لتحقيق أغراض جمالية أو دلالية.
كذلك يمتد اهتمام جينت إلى ذوات الروية، فيميز بين موقع الراوي والعلاقات التي تربطه بالشخصيات والمسرود عنه، مفرقاً بين الراوي والسارد، ومصنفاً أنماط التبئير ومنظور الرؤية. وهذه التفاصيل الدقيقة تجعل نموذجه الأسهل في تعليم وتعلم مهارات النقد والتحليل النقدي، والأكثر انتشاراً في النقد العربي، لما يوفره من إطار تصنيفي واضح وقابل للتطبيق على مختلف النصوص السردية، من الرواية إلى القصة القصيرة إلى السيرة الذاتية. فهو يعطي الدارس مفاتيح للدخول إلى عوالم النص، فيحدد من يحكي، ومن يرى، ومن يعرف، وكيف تتوزع المعرفة بين الراوي والشخصيات، مما يشكل وعياً نقدياً لدى المتلقي يجعله قادراً على اكتشاف آليات الاشتغال السردي بدلاً من الاكتفاء بالانطباع العابر.
لكن السؤال الأهم: أين يقع نموذج جيرارد جينت من المدونة النقدية؟ تنقسم المدونة النقدية إلى ثلاث تصنيفات كبرى، تمثل كل منها اتجاهاً مختلفاً في النظر إلى الأدب. التصنيف الأول هو تلك الاتجاهات والنظريات والمدارس التي ركزت على مرسل النص أي المبدع، مثل النظرية النفسية التي تبحث في نفسية الكاتب، وثقافة كاتب النص والبيئة التي عاشها، فترى العمل الأدبي وليداً لتجارب الكاتب الشخصية وانفعالاته ومحيطه الاجتماعي. أما التصنيف الثاني فيبدأ مع الشكلانية الروسية ويمر بالمدارس البنيوية ويصل إلى التفكيكية والأسلوبية، وهي الاتجاهات التي ركزت على النص ذاته وفصلته عن كل السياقات، وصولاً إلى مقولة موت المؤلف لرولان بارت التي جعلت النص يتجرد من موجده ويصبح كائناً مستقلاً بذاته. والتصنيف الثالث يتمثل في الاتجاهات والنظريات التي اشتغلت على تلقي النص، وجميعها ينطلق من فكرة أن النص عندما يقرأه شخص ما في زمن ما، فإنه لا يقرأه بمعطياته التي أنتج فيها في عصره، وإنما يقرأه في سياق ثقافته هو، أي أنه يدخل نفسه في النص ويعيد إنتاجه مرة أخرى، وفي إطار يؤثر على إعادة هذا النص.
إن نموذج جيرارد جينت يقع في التصنيف الثاني، أي مع الاتجاهات النقدية والنظريات التي ركزت على النص وفصلته عن السياقات المحيطة به، من المؤلف كما في نظرية موت المؤلف، ومن السياقات الاجتماعية والتاريخية التي تحيط بالنص. فهو يندرج ضمن المدارس البنيوية، لكنه ليس البداية في البنيوية، بل هو حلقة متقدمة في سلسلة طويلة من المحاولات التي سعت إلى فهم النص من داخله. فالبنيوية مرت بمحطات متعددة، كان أولها الشكلانية الروسية التي توجهت إلى دراسة النص من منظور الشكل والقيم الجمالية، فالشكل يعني دراسة النص من منظور اللغة والعلاقات اللغوية الحديثة بين النص وأصوات اللغة، من حروف ومقاطع وفونيمات، وما ينشأ عن ذلك من إيقاعات وتكرارات، والمستوى التركيبي للأصوات في علاقاتها. وأهم ما أنجزته الشكلانية هو التفريق بين الأدبي وغير الأدبي، ذلك أن ليس كل كلام منتظم يصلح أن يكون إبداعاً، فثمة خصائص شكلية تميز النص الأدبي من غيره، وهذه الخصائص هي ما يستحق الدراسة.
ثم جاءت المدارس البنيوية لتؤكد اهتمامها بالنص وفصله عن كل السياقات المحيطة، سواء من مرسله أو من متلقيه، ثم فرقت بين الأدبي وغير الأدبي متأثرة بـ “دوسوسير” الذي ميز بين القواعد النحوية والصرفية للغة التي تحكم هذه اللغة، وبين الكلام الذي هو أمر آخر من منظوره، إذ يرى أن اللغة ظاهرة اجتماعية في المقام الأول بينما الكلام فردي. لكن ليس كل البنيويين فصلوا النص بهذه القسوة، إذ إن مفهوم البنيوية في النظر إلى النص انطلق من فكرة مفادها أن هذا النص يتكون من شبكة من العلاقات الأفقية والرأسية التي تحكمه وتبنيه، فهو ليس مجموعة عناصر متراكمة، بل بنية متكاملة تكتسب عناصرها معناها من علاقاتها ببعضها البعض. والجدير بالذكر أن البنيوية ليست بنوية واحدة، بل بنيويات متعددة يمكن الوقوف عليها من خلال نماذج مختلفة.
النموذج البنيوي الأول هو نموذج رولان بارت، الذي يرى أن النص في أي جنس أدبي هو جملة واحدة كبيرة تحتوي وحدات متداخلة من كلمات وشخصيات وأحداث، وقد قسم النص إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو مستوى الوظائف، ويتعلق بجزئيات العمل السردي التي تحقق وظيفة السببية، أي العلاقات المنطقية بين الأحداث، ووظيفة القراءان، أي ما يحفز القارئ على الاستمرار في القراءة، وغيرها من الوظائف التي تساهم في بناء المعنى. المستوى الثاني هو مستوى الأفعال، ويتعلق بفعال الشخصيات وما تقوم به من أدوار داخل الحكاية. أما المستوى الثالث فهو مستوى الإنشاء، وهو الجانب اللغوي الذي يربط بين المؤلف ونظام اللغة بوصفها عرفاً بين أهلها من جهة، فكما أن الكرم قد لا يفهم في الغرب برمزيته، كذلك تعتمد دلالات النص على النظام اللغوي والثقافي الذي ينتمي إليه. أما النموذج البنيوي الثاني فهو نموذج ليفي شتراوس، الذي يقوم على أن العقل الجمعي تحكمه نماذج ومناطق رياضية تكمن في عقول الناس بشكل غير واعٍ، تحكمها قوانين تشبه قوانين الجملة التي يحكمها التحويلات التي تطرأ على سلوكيات البشر بمرور الزمان، وهذا ما يفسر التشابه بين الأساطير والقصص في مختلف الثقافات.
أما النموذج البنيوي الثالث فهو نموذج تودوروف، الذي يعتمد على نظرية توماس في التمييز بين المتن الحكائي الذي هو القصة، والمبنى الحكائي الذي هو الخطاب، فحلل النص السردي من منظور الزمن والرؤية والطريقة. و”تودوروف” فتح الدائرة المغلقة للبنيوية من خلال رؤيته أن العمل السردي يمر بمرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة الإنشاء، والتي يحول فيها الكاتب القصة إلى عالم متخيل، أي الانتقال من المتن الحكائي إلى المبنى الحكائي عبر عملية إبداعية تعيد تشكيل الواقع. والمرحلة الثانية هي مرحلة القراءة، وفيها فتح البنية المغلقة للبنيوية لأنه أعطى القارئ حقاً في أن يعيد تشكيل الحكاية وفق رؤيته وتأويلاته، مما يجعل المعنى متجدداً وغير ثابت. وجاء النموذج الرابع وهو نموذج جيرارد جينت، ليمثل نقلة نوعية في التحليل البنيوي، حيث يقدم نظرية شاملة في الخطاب السردي تعتمد على تحليل العمل من الداخل، وتفصل هذا العمل عن علاقاته الخارجية المتعلقة بمرسل النص المبدع أو متلقي النص القارئ، فهو تحليل شمولي لا يكتفي بجانب واحد من جوانب السرد.
ولم يأت نموذج جينت من فراغ، بل جاء ليكمل ما سبقه من نماذج ويتجاوزها، ذلك أن النماذج السابقة تناولت جزئية أو جانباً واحداً، مثل الأحداث السردية عند تودوروف، أو مستويات السرد المرتبة بشكل هرمي عند رولان بارت وموت المؤلف، فلم تقدم رؤية شاملة لكل عناصر السرد. أما جينت فقد أسس تصوره على أن الحكاية هي الخطاب الشفوي أو المكتوب الذي يروي حدثاً أو سلسلة من الأحداث التخييلية، وما جعله يفرق بين ثلاثة مستويات من التحليل هي: “القصة والخطاب والسرد”، حيث القصة هي المتن الحكائي، والخطاب هو الطريقة التي تقدم بها القصة، والسرد هو الفعل الحكائي نفسه الذي يقوم به الراوي. وهذه المستويات الثلاثة تشكل أداة تحليلية متكاملة تمكن الدارس من تفكيك النص إلى عناصره الأولية، ثم إعادة تركيبه لفهم آليات اشتغاله، وهي المهارة ذاتها التي جعلت نموذج جينت الأكثر تداولاً في الأوساط النقدية العربية، والأكثر قدرة على ممارسة النقد السردي بوعي وإتقان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى